في هذا البلد، لم يعد مستغربًا أن تُستغلّ المناسبات الكبرى، سواء كانت رياضية أو دينية أو اجتماعية، كغطاء لتمرير قرارات لا تجرؤ الحكومة على مواجهتها في ظرف عادي. فحين ترتفع حرارة الانشغال الشعبي بكرة القدم، أو تنشغل الأسر بالأعياد، أو يطغى خطاب “الفرجة الوطنية”، تتحرك بعض الجهات في الظل لتفعل ما لا تستطيع فعله في وضح النهار: تمرير قرارات غير شعبية، خنق الأصوات المزعجة، وترتيب المشهد السياسي على المقاس.
هذا الأسلوب معروف في عدد من الدول، داخل أوروبا كما داخل إفريقيا، حيث تلجأ الأنظمة إلى صناعة ضجيج كبير حول حدث ضخم حتى يختفي ما هو أخطر وأهم: تضييق على الحريات، ضرب في القدرة الشرائية، أو تمرير ترتيبات سياسية لا تحظى بأي قبول شعبي. الفكرة بسيطة ومفضوحة: اشغل الناس بالفرجة، ومرّر ما تريد في الخلفية.
أما في المغرب، فالسؤال اليوم ليس بريئًا ولا يمكن تجاهله: هل يجري توظيف زخم المونديال، وما يرافقه من تعبئة دعائية وإعلامية، كواجهة لتلميع الصورة وتغطية قرارات سياسية هدفها تضييق الخناق على المعارضين وإقصاء الأصوات المزعجة من السباق الانتخابي المقبل؟ هل نحن أمام مشروع وطني حقيقي، أم أمام عملية إعادة ترتيب للحقل السياسي تحت عنوان كبير اسمه “المونديال”؟
الخطير في الأمر أن بعض القرارات لا تُقدَّم باعتبارها خيارات ديمقراطية، بل تُمرَّر بأسلوب يوحي بأن كل شيء طبيعي، بينما الحقيقة أن المجال العام يُدفع شيئًا فشيئًا نحو مزيد من الاختناق. اليوم يُحاصر المعارض، وغدًا يُقصى المرشح، وبعد غدٍ يُطلب من المواطن أن يصفق لأن “الصورة الخارجية” جميلة، حتى لو كان الداخل يزداد ظلامًا.
ما يقع ليس مجرد سوء تدبير، بل منهج سياسي واضح: كلما اقتربت محطة حساسة، تم اللجوء إلى حدث كبير لتخفيف الضغط وخلط الأوراق. وكلما ارتفعت أسئلة الناس، تم الدفع بهم نحو الانشغال بلغة الإنجاز، والاستعراض، والمظاهر، بدل مواجهة جوهر الأزمة: من يقرر؟ ولمصلحة من؟ وعلى حساب من؟
المغاربة لم يعودوا بحاجة إلى مزيد من الشعارات، بل إلى وضوح وصراحة واحترام للعقل العام. لأن الدولة التي تراهن على انشغال الناس بدل إقناعهم، وعلى التغطية بدل الشفافية، هي دولة لا تثق في شعبها. والمشهد الذي يُبنى على الإقصاء والتعتيم لا يصنع استقرارًا، بل يؤجل الانفجار فقط.
المونديال لا يجب أن يكون غطاءً. والفرح الوطني لا ينبغي أن يتحول إلى بنك للتستر على القرارات المريبة. والمغربي اليوم أذكى من أن يُطلب منه أن يصفق وهو يُقصى بصمت.
عبد السلام مجلاوي، مدير النشر