بقلم د. محمد السباعي — دكتور في العلوم القانونية والسياسية، خبير في مجال حقوق الإنسان
لا يمكن فهم الحكم الصادر عن المحكمة العليا الإسبانية (نقض 814/2026 بتاريخ 29 يونيو 2026) بمعزل عن إشكاليتين متشابكتين:
- الإشكالية المرتبطة بالإطار المعياري الداخلي الإسباني: وتتعلق بتفسير المادة الإضافية العاشرة من قانون الأجانب (الرد في الحدود البرية) ومدى جواز تطبيقها في البحر.
- الإشكالية السياسية والقانونية الدولية: وتتعلق بوضعية سبتة ومليلية، حيث يعتبر المغرب أنهما مدينتان محتلتان ويطالب باسترجاعهما، بينما تعتبرهما إسبانيا جزءاً من أراضيها، وقد طلب المغرب سنة 1975 إدراجهما ضمن الأقاليم المعنية بتصفية الاستعمار، غير أن الأمم المتحدة لم تعتمد هذا الطلب، ولم تصدر قراراً يحسم السيادة عليهما أو يصفهما رسمياً بالمستعمرتين.
أولاً: من منظور القانون الإسباني الداخلي (ما أثبته الحكم)
رفضت المحكمة العليا الإسبانية طعن الحكومة، وأقرت بما يلي:
- تضييق مفهوم “عناصر الاحتواء”: أكدت المحكمة أن “عناصر الاحتواء” في النص القانوني تعني فقط الأسوار المادية البرية (السياج الحدودي) وليست أدوات مراقبة أو خطاً بحرياً. وبالتالي، لا يجوز تطبيق إجراء “الرد في الحدود” على المهاجرين الذين يتم اعتراضهم في البحر وهم يحاولون السباحة إلى الشواطئ؛
- وجوب اتباع إجراء “الإعادة”: الحالة الواجبة التطبيق هي إجراء “الإعادة” المنصوص عليه في المادة 58.3 من القانون، والذي يستوجب ضمانات إجرائية كاملة (مترجم، محامٍ، إمكانية طلب اللجوء، قرار مسبب). وهذا يعني أن أي عملية إعادة جماعية وفورية من البحر إلى المغرب تعتبر “عملاً مادياً باطلاً”؛
- الالتزام بالمعايير الدولية: أشار الحكم إلى ضرورة احترام مبدأ عدم الإعادة القسرية والمعاهدات الدولية لحقوق الإنسان، مستنداً إلى اجتهادات المحكمة الدستورية الإسبانية (STC 172/2020) والمحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان.
بناءً على ما سبق، الحكم يُلزم الحكومة الإسبانية بوقف التدخل العشوائي في البحر ويفرض عليها إجراءات بيروقراطية وقانونية مع كل مهاجر على حدة، مما يصعّب مهمتها في مواجهة تدفق أعداد كبيرة (أزيد من 60 ألف مهاجر).
ثانياً: من منظور النزاع حول السيادة والقانون الدولي (ما تجاهله الحكم)
هنا يظهر البعد الجوهري الذي لم تتطرق إليه المحكمة في حيثياتها، وهو أن وضعية سبتة ومليلية تظل محل نزاع دولي: فالمغرب يعتبرهما مدينتين محتلتين ويستند في ذلك إلى قرارات منظمة الوحدة الإفريقية والاتحاد الإفريقي، بينما تتمسك إسبانيا بموقفها القائل بأنهما جزء من أراضيها، في حين أن الأمم المتحدة لم تصدر قراراً حاسماً بشأن سيادتهما. هذا البعد يُعيد قراءة الحكم كالتالي:
1. شرعية تطبيق التشريع الإسباني محل شك (من وجهة نظر المطالب بالسيادة): القانون الإسباني (قانون الأجانب) يُطبق على “التراب الوطني”. لكن إذا كانت سبتة ومليلية تعتبران من طرف المغرب والاتحاد الإفريقي أرضاً متنازعاً عليها، فإن تطبيق هذا القانون على “حدود” هذه المدن يعتبر، من وجهة النظر هذه، امتداداً للنزاع وليس ممارسة لسيادة معترف بها دولياً. الحكم، بتطبيقه لقانون داخلي في منطقة متنازع عليها دولياً، يُكرس واقعاً قانونياً أحادياً، ويتجاهل الموقف الرسمي للمغرب ومجموعة واسعة من الدول التي تعتبر أن أي إجراءات ردع على شواطئ هذه المدن هي إجراءات لا شرعية من حيث أصل الاختصاص، وليس فقط من حيث الإجراءات.
“الحكم، بتطبيقه لقانون داخلي في منطقة متنازع عليها دولياً، يُكرس واقعاً قانونياً أحادياً.”
2. البعد البحري والنزاع على الترسيم: النزاع لا يقتصر على اليابسة، بل يمتد إلى المياه الإقليمية المحيطة بالمدينتين، حيث لم يتم ترسيم الحدود البحرية بين المغرب وإسبانيا في هذه النقطة تحديداً. وبالتالي، فإن عملية اعتراض المهاجرين في عرض البحر في هذه المنطقة قد تحدث في مياه متنازع عليها، مما يزيد من تعقيد الشرعية الدولية لأي عملية ردع، بغض النظر عن إجراءاتها الداخلية. الحكم الإسباني يتعامل مع عرض البحر باعتباره “بحْراً إقليمياً إسبانياً”، في حين أن المغرب لا يعترف بهذا الوصف، ويرى أن هذه المياه تابعة لسيادته أو خاضعة لنظام قانوني لم يُحسم بعد.
3. التناقض في الخطاب الإسباني والأوروبي (من منظور النقد الدولي): يلاحظ مراقبون أن إسبانيا تدافع عن سيادتها على سبتة ومليلية استناداً إلى حقوق تاريخية، بينما تدعم حق جبل طارق في تقرير المصير (وهو موقف تدعمه الأمم المتحدة). هذا التناقض، بحسب هذا الطرح، يُضعف موقفها أمام المجتمع الدولي، ويُغذي الموقف المغربي الذي يطالب بتطبيق نفس مبدأ إنهاء الاستعمار على سبتة ومليلية. الاتحاد الأوروبي، الذي يعتبر المدينتين حدوداً خارجية له، يجد نفسه في موقف معقد: هل هو يدافع عن حدود دولة عضو في منطقة متنازع عليها دولياً، أم أنه يُشرعن احتلالاً بحسب وجهة نظر المغرب والاتحاد الإفريقي؟
ثالثاً: إعادة قراءة الحكم في السياق العملي (أزمة 60 ألف مهاجر)
عند دمج اعتبار النزاع حول سيادة المدينتين مع مضمون الحكم، تظهر الصورة التالية:
1. التحدي الإنساني مقابل الشرعية الدولية: الحكم يخدم حقوق المهاجرين من الناحية الإجرائية (بمنع الردع الجماعي في البحر)، لكنه قد يؤدي إلى ازدحام المهاجرين في مراكز الاستقبال بالمدينتين بسبب تعذر إعادتهم فوراً، مما يخلق أزمة إنسانية داخل منطقة تعاني أصلاً من ضيق المساحة واكتظاظ سكاني. في المقابل، من وجهة نظر المغرب، فإن الدولة المطالبة بالسيادة ليست ملزمة باستقبال هؤلاء المهاجرين إذا تم اعتراضهم في المياه الإقليمية التي تعتبر نفسها صاحبة السيادة عليها، مما يضع إسبانيا في مأزق قانوني وسياسي مزدوج.
2. الضغط على المغرب والعلاقات الثنائية: استندت إسبانيا لعقود على تعاون المغرب في اعتراض المهاجرين قبل وصولهم إلى المياه الإقليمية. لكن مع هذا الحكم، يصبح أي مهاجر يصل إلى البحر قبالة سبتة ومليلية تحت السيادة الإسبانية المزعومة (بحسب الموقف الإسباني)، ويجب التعامل معه بقوانين إسبانية. هذا يُقلص مساحة التعاون الأمني، ويمنح المغرب — بحسب هذا التحليل — ورقة ضغط جديدة للمطالبة بتغيير الوضع القانوني للمدينتين أو تقديم امتيازات سياسية واقتصادية مقابل التعاون في ملف الهجرة.
3. تأويل الحكم كاعتراف غير مباشر بالإشكالية: بينما رفضت المحكمة توسيع “الرد في الحدود” للبحر، إلا أنها ذكرت في حيثياتها أنه “لا يمنع، من حيث المبدأ، وضع عناصر احتواء في البحر لحماية الخط الحدودي”. هذا البند يحمل غموضاً؛ فهو يترك الباب مفتوحاً أمام الحكومة الإسبانية لتركيب عوائق مادية في البحر (كشبكات أو أسيجة عائمة) قد تُستخدم كذريعة لتطبيق الرد في المستقبل، مما قد يُحدث مواجهات جديدة في مياه متنازع عليها ويُفاقم النزاع مع المغرب.
خلاصة واستنتاج
البعد الإنساني والإجرائي: الحكم يمثل انتصاراً نسبياً لحقوق المهاجرين ويرفع الحماية القانونية عنهم، لأنه يُلزم إسبانيا بإجراءات قانونية فردية بدلاً من الردع الجماعي في البحر.
البعد السياسي والقانوني الدولي: الحكم يُطبق قانوناً داخلياً على أراضٍ متنازع عليها دولياً، دون معالجة جوهر النزاع. وبالتالي، فهو حكم “سيادي” داخل نظام قانوني لا يعترف به الخصم الرئيسي (المغرب) ولا يعترف به الاتحاد الإفريقي في سياق إنهاء الاستعمار، بينما تعتبره إسبانيا والأمم المتحدة — في غياب قرار حاسم بشأن السيادة — جزءاً من اختصاصها الداخلي.
إذن، يتبيّن أن منطوق الحكم، رغم تقدمه إجرائياً، يظل أسيراً لإطار أحادي، ولا يمكن فصله عن إشكالية النزاع حول السيادة، مما يُضفي عليه طابعاً سياسياً معقداً، حيث يصبح النقاش ليس فقط حول “كيفية حماية الحدود”، بل حول “هل هذه الحدود معترف بها دولياً من جميع الأطراف”. وهذا ما يجعل الحكم عرضة للاستغلال السياسي من جميع الأطراف، ويُبقي ملف الهجرة رهينة للنزاع الجيوسياسي بين إسبانيا والمغرب.
عن الكاتب
د. محمد السباعي — دكتور في العلوم القانونية والسياسية، خبير في مجال حقوق الإنسان.
الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن رأي كاتبها ولا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لجسر.ميديا.
د. محمد السباعي

