روائية فرنسية عرفها القرّاء بروايتها الأولى «الجزّار» (1988)، وألينا رييس هي أيضاً صاحبة رواية «موحا يحبني» (غاليمار، 1999). كتابتها بحث دائم عن الحرية: الإدماج الاجتماعي، والحق في الاختلاف، وانفتاح الفكر، ورؤية لعالم بلا حواجز اجتماعية، بلا حدود بين البشر، مهما كان عمرهم أو جنسهم أو أصلهم العرقي أو الجغرافي. في «التظاهر»، تجعل من الركض فعل مقاومة: تجلّياً للحق في الحرية والإنصاف.
رابط مُهدى من جسر ميديا، دون أي مقابل، تشجيعًا للكاتبة.
ترجمة جسر ميديا عن النص الأصلي بالفرنسية.
أن أركض. العالم مجنون، ورأسي يفيض، لا بد أن أخرج لأركض. أركض، أركض، أركض، أركض حتى بيتي، حتى بيتي الذي فقدته، حتى ذلك المكان الذي كان لي وضاع مني. حتى هناك في الأعالي، في الجبل، في الغابة، حتى ذلك المكان الذي يقول فيه قلبي ورئتاي وقدماي وساقاي وجسدي كله: أخيراً نحن في بيتنا. غرباء عن المكان وفي بيتنا، في الغبطة.
نعم، أنا كثيرات في داخلي. آخذ قدميّ بكلتا يديّ، وأُلبسهما الحذاء. أتفقّد درعي وعتادي: قميص قصير، سروال قصير، قنينة ماء. أنطلق إلى الهجوم. بهذا العتاد أصير امرأة أخرى. رأسي وجسدي، سأفرغهما من وسخ العالم.
«أنا هنا»
أدقّ الإسفلت، أدقّ الرصيف، أجوب المدينة لأكتب فيها بقدميّ: أنا هنا. أركض، فأرى المدينة تمرّ أمامي، أنسلّ منها، وأنسجها أنا. ها نحن شريكتان، لا أخضع لها، أنظر في عينيها فأرى: عيناها تجيبانني. انتفضي! لست من يريدونني أن أكون. أنا من أنا، وأرى علامات الشعب الذي يشبهني.
مسلّحون بأحذيتهم الرياضية وحدها
لقد سار الشعب في الشوارع، وجاب المدينة مثلي. الأكثر إقداماً طاردتهم الشرطة. إنهم شباب، أقدامهم ثابتة وعيونهم يقظة، هم أيضاً. الرجال الذين صاروا آلات، أدوات من يريدون أن نكون كما يريدون، أولئك الروبوتات بخوذاتهم، المدجّجون بالدروع والسلاح، هجموا عليهم، عنّفوهم، خنقوهم بالغاز، بل شوّهوا أجسادهم، بل اقتادوهم، بل سجنوهم، بل قتلوهم. لكنهم، هم المسلّحون مثلي بأحذيتهم الرياضية وحدها، المسلّحون بالخفّة، حتى وهم مختنقون، حتى وهم جرحى، حتى وهم مشوَّهون، حتى وهم مسجونون، حتى وهم موتى، ظلّوا أحراراً. وحريتنا ستبقى بعدنا. ما سيحفظه التاريخ هو حريتنا، شرفنا. وظلمُ وعارُ من استعملوا سلطتهم البائسة، سلطتهم المغتصَبة، لتدمير مسكننا، بلدنا، طريقتنا في سُكنى بلدنا، ولإرسال روبوتاتهم لخنق صوتنا.
«…حتى وهم موتى، ظلّوا أحراراً. وحريتنا ستبقى بعدنا.»
ألينا رييس، «التظاهر»
صوتي مكبَّل، وأقدامنا باقية. أجوب المدينة وأسمع صراخ الزجاج الذي تتقيّؤه الحاويات التي قلبها غضب الشعب. أركض، وركضي نار تسمو بغضبي وتطهّره. لن تنالوا منّا، لن تنالوا مني، يقول مساري. أشكر الشعب الذي ينتفض، كما ينتفض جسدي العجوز مع كل خطوة ويستعيد شبابه.
زمن الطغاة الذين يجب خلعهم
بين الأنقاض أركض. العالم القديم يسقط تحت نعليّ من ريح. حكّامنا وجوههم معوجّة، هم الذين لا يعرفون كيف يحكمون أنفسهم. المخدّرات تدور في الحلقات التي يحبسون فيها أنفسهم، هم الذين ليس في رؤوسهم سوى التكرار الأبدي للشيء نفسه. إنه زمن الطغاة، طغاةٍ يجب خلعهم. الشيطان «المال» يحكم البشر، حيوانات تائهة تخلّت عنها حكمة الأرض. لقد استحوذ على جحافل من النفوس، وطوّعها لخدمته حتى لم تعد تميّز حتى النهار من الليل. وهي فاقدة للشرعية في نظر الحياة، أنجبت الأرواح الساقطة للطغيان، بيادق صارت طفيليات على الكوكب كله.
اركض دائماً أيها الكوكب! أركض معك وأحبك. انظر، الأنهار تعبرني، وتيارات الهواء تلاطفني، لقد وُلدتُ لأركض، لا لأموت! من عضلاتي تنبثق الخضرة والبهائم والنجوم. لأني أركض، أمشي مع كل الأحياء الذين يمشون على الأرض، أمشي ضد جدران الحلقات التي يغترب بينها الحكّام وخدمهم. صانعو الكتب الاصطناعية يرتعبون من الذكاء الاصطناعي الذي يجعلهم أضحوكة، وأنا أضحك، نعم، عاشت التكنولوجيا! أنا من العالم الذي يتقدّم. فليَمحُ من الوجود المزوّرين ومصّاصي الدماء، آكلي لحوم البشر ذوي الياقات البيضاء، المتباهين الذين يفتحون قمصانهم على صدور فقيرة، اللاأحياء المتعطّشين للمجد الزائف والمال.
«لقد وُلدتُ لأركض، لا لأموت!»
ألينا رييس، «التظاهر»
بيتنا هو بلدنا
بيتنا هو بلدنا، وبلدنا هو العالم، وهؤلاء يطردوننا منه. مثلما سُيّجت باريس خلال الألعاب الأولمبية، حواجز في كل مكان، شرطة في كل مكان، جيش في كل مكان، فضاءات مشتركة مصادَرة، حركة مكبَّلة، حتى صار الركض أو المشي تنقّلاً في متاهة كتلك التي في مجلات الأطفال حيث يجب البحث ورسم طريق بالقلم حتى المخرج، هكذا صارت المدن، في صورة أكثر قتامة، حين يتظاهر فيها الشعب ويجب الإفلات من الطوق الأمني، الإفلات من عنف الشرطة، الإفلات من منع التجمّع أو التنقّل هنا أو هناك، ثم منع التظاهر في وسط المدن، والسلطة تتصرّف كأن البلد ملكها، بلدنا، بيتنا، لأن كل بلد ملكٌ لمن يسكنه من نساء ورجال، منعُ سُكناه، والسلطة تتصرّف كمستعمِر لشعبها نفسه لأننا في نظرها «من لا يساوون شيئاً»، بينما هي ممّن نجحوا، نجحوا في بيع البلد، نجحوا في تدمير البلد، نجحوا في الاستيلاء على البلد لتسليمه لكل مستغلّي المناجم، مناجم بلدنا، منجم الذهب هذا الذي سلّمتهم إياه السلطة ليعيثوا فيه خراباً، اسمعوني أنا أركض، ألهث، جسدي العجوز ينتفض كما ينتفض الشعب ونستعيد شبابنا، أستعيد شباب بلدي، حرّاً ومبدعاً، يبتكر حيواته رغم الاحتقار الذي يواجهه به كثير من شيوخ بلده، مستقبلَ هذا البلد رغم الغطرسة، رغم الصمم، رغم العمى لدى كثير من القاعدين في هذا البلد، كثير من المتحجّرين، وكنت سأكون منهم لو لم أكن أركض، لو لم أتحدَّ بقدميّ وبجسدي متاهات السلطة.
«كل بلد ملكٌ لمن يسكنه من نساء ورجال.»
ألينا رييس، «التظاهر»
خطوة بعد خطوة
ملكات وملوك هم المنتفضون، واقفين منتصبين على أقدامهم. المنهج؟ خطوة بعد خطوة. هكذا يسير الأمر، يقيمون المتاريس، يتحصّنون، ويجدون من أين يمرّون من جهة أخرى. هكذا هو النبع: سيلٌ جارف في البداية، ثم يوسّع مجاريه حتى مصبّه. أركض، أمشي، أرى الشعب ينهض، يتقدّم، فتغلبني الرغبة في البكاء. لأن الحشد يتدفّق سيلاً في داخلي، لأن السيل ينبثق في لحمي ويريد أن يفيض، من حنجرتي، من عينيّ، أنا المخلوقة المسكينة التي يحملها ألمُ الاتحاد الفَرِح.
بالجسد يجب أن نحلم
من يجوب المدينة يُظهر فيها الحياة المنبثقة من الحوادث الكونية. انهض يا هيكلي العجوز، حان وقت انتزاع كاحليك من الفخاخ التي تطوّقهما، الآن بالجسد يجب أن نحلم! لكن امضِ بحكمة، لا تتركهم يضحّون بك ولا يحطّمونك على مذبحهم النتن، امضِ بعزم، الحكمة والعزم سينتصران، وأرى أنهما لديك، وأُعجَب بأنهما لديك. بالجسد يجب أن نذهب لنسكن البيت الذي يحرموننا منه، مدينتنا، بلدنا، كوكبنا. الشارع لنا والريف أيضاً. تبّاً للوزارات، نحن للأرض، جذورنا موتانا نستمدّ منهم قوتنا، وثمارنا أجيالنا التي اتخذت أسماء حروف وعليها أن تعود إلى أولها. أركض، قلبي يدقّ الرصيف، وجنتاي حمراوان ولي نَفَس الثورات الملحمي. تتدفّق الكائنات الحية في عضلاتي، تتدفّق الشعوب في صوتي، لست أنا من يركض، لست أنا من يتكلّم، لست سوى انتقال، انتقال الفن في الحيوانية، انبثاق الأشكال والألوان في الفراء، في الريش! لنصعد إلى الغبطة.
ألينا رييس
انتهت المقالة





