رأي حر: هذا المقال رأي موقّع من كاتبه، ويعبّر عن وجهة نظره وحدها ولا يُلزم جسر ميديا.
اقرأ أيضاً: بن بركة والمانوزي: 29 أكتوبر، والحقيقة ما تزال غائبة
لماذا تأخرت الديمقراطية في المغرب؟
قد يتساءل البعض، كما سيتساءل الذين سيأتون من بعدنا، عن الأسباب الحقيقية التي أدت إلى التخلف الديمقراطي الذي يعرفه المغرب منذ الاستقلال سنة 1956، رغم التضحيات التي قدمها الشعب المغربي من أجل الاستقلال ومن أجل تحقيق ديمقراطية حقة، حتى يتمكن من تقرير مصيره السياسي والاقتصادي والاجتماعي بنفسه. وحتى تسود العدالة الاجتماعية والتوزيع العادل للثروات الوطنية، وتسود المساءلة والمحاسبة وعدم الإفلات من العقاب.
إنه من الأسباب الرئيسية التي حالت دون تحقيق تلك الأهداف النبيلة هو تصفية الأصوات الحرة المناهضة للاستعمار والاستبداد ومخاطر التبعية العمياء. ومن بين تلك الأصوات، صوت الشهيد المهدي بن بركة.
29 أكتوبر 1965: اغتيال المهدي بن بركة
حيث أقدمت الإمبريالية/الصهيونية بتنسيق مع النظام المغربي، من خلال المخابرات الفرنسية SDECE (Service de Documentation Extérieure et de Contre-espionnage) والمخابرات الإسرائيلية والأمريكية، على اختطاف واغتيال رمز الوحدة الوطنية ورمز التقدم السياسي ورمز التحرير وحامل المشروع الوطني الذي يهدف إلى بناء دولة حداثية، المعارض المغربي المهدي بن بركة، في أكتوبر 1965.
“مؤتمر القارات الثلاث”: المشروع الذي كان يحمله
وهو الحامل لمشروع “مؤتمر القارات الثلاث” (La Tricontinental). حيث تم اختياره رئيساً للجنة التحضيرية للمؤتمر الذي كان من المقرر أن ينعقد في هافانا بكوبا عام 1966. ويهدف المشروع إلى توحيد أكثر من 80 حركة تحررية في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية في جبهة عالمية واحدة لمناهضة الاستعمار والإمبريالية.
من هو المهدي بن بركة؟
إن اغتيال هذا الرمز الذي أحب وطنه المغرب، واختبر جباله وسهوله وهو تلميذ وطالب ومقاوم، ومن أبرز القيادات الوطنية المغربية المناهضة للاستعمار الفرنسي والإسباني، ويعتبر من الموقعين على وثيقة الاستقلال عام 1944، ومن الذين تعرضوا للاعتقال وللنفي بين عامي 1951 و1954 بسبب مواقفه الثابتة ومناهضته القوية للوجود الاستعماري الفرنسي والإسباني.
إن اغتياله كان من أهداف الاستعماريين الجدد، حتى تخلو لهم الساحة من أجل الاستفراد بالشعب المغربي وبثرواته الوطنية البرية والبحرية.
إن اغتياله كان من أهداف الاستعماريين الجدد، حتى تخلو لهم الساحة من أجل الاستفراد بالشعب المغربي وبثرواته الوطنية البرية والبحرية، وخلق قاعدة من أذناب الاستعمار ومن الأعيان وأصحاب الريع وشيوخ القبائل الموالين، قاعدة تتمكن من التحكم في مصادر القرار وتتولى تسيير وتدبير الإدارة العمومية والجيش، حتى لا ينعم الشعب المغربي بالديمقراطية الحقة التي هي المدخل الرئيسي للعدالة الاجتماعية والمجالية وبناء دولة الحق والقانون، وينعم باستقلاله التام وباسترجاع جميع أراضيه التي ظلت تحت سيطرة الاستعمار الإسباني.
بعد الاغتيال: سنوات الجمر والرصاص
فبعد اختطاف واغتيال المناضل الأممي المهدي، استمرت الدولة في التضييق على الحريات العامة والقمع والاختطافات والمحاكمات، حتى الصورية منها، في صفوف المعارضة: الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، مناضلي ومناضلات منظمة “إلى الأمام” ومنظمة “23 مارس”… ما أصبح معروفاً بـ**“أيام الجمر والرصاص”**.
وبالموازاة مع ذلك عم الفساد ونهب المال العام وحياة الرشوة والارتشاء وسياسة الريع ونهب الثروة الوطنية. وإنه في غياب نظام ديمقراطي بدأت الانفلاتات الأمنية وسط الجيش المغربي، إذ قام بعض ضباطه بعمليتين انقلابيتين فاشلتين (1971 و1972).
الفساد والإفلات من العقاب: قضية “بانام”
وإلى جانب الأزمة الأمنية التي عرفها القصر والانفلات الأمني، ظهرت بوادر أزمة الفساد والرشوة والاستبداد التي طالت جميع المرافق الإدارية والمالية والاقتصادية والاجتماعية، حيث سيعرف المغرب في بداية السبعينات ضلوع وزراء في عملية فساد بالدار البيضاء في 1972، وهي القضية التاريخية الشهيرة التي عُرفت بـ**“محاكمة الكبار”** أو “محاكمة الوزراء”.
ورغم أن صكوك الاتهام والاعتقالات بدأت أواخر عام 1971، وعُقدت جلسات المحاكمة الكبرى وصدرت الأحكام في دجنبر 1972، وامتدت تداعياتها القضائية والسياسية إلى عام 1973، فقد ارتبطت القضية مباشرة بمدينة الدار البيضاء. حيث تفجرت الفضيحة بعد أن طلبت شركة الطيران الأمريكية “بانام” (Pan Am) ترخيصاً لبناء فندق فخم في قلب الدار البيضاء على أرض ثكنة عسكرية، فقام وزراء ومسؤولون مغاربة بابتزاز الشركة ومطالبتها بعمولات ورشاوى ضخمة لتسهيل المشروع.
وامتد الفساد ليصيب قطاعات استراتيجية، منها على سبيل المثال قطاع الفوسفاط المغربي في فترة السبعينات، الذي عرف انتكاسة واختلالات هيكلية عميقة عُرفت تاريخياً بـ“صدمة الفوسفاط المرتدة”. وهي الاختلالات التي أربكت الاقتصاد الوطني برمته وأدخلته في أزمة مديونية خانقة. وكان مرد هذه الأزمة إلى غياب ربط المسؤولية بالمحاسبة والإفلات من العقاب.
هل ينتهي الإفلات من العقاب؟
إنه في غياب تنزيل ديمقراطي حقيقي ينقذ البلاد من خطورة الانحدار الحاد في زمن الصعود، تظل روح المهدي وأرواح كل الشهداء من أجل الديمقراطية والعدالة الاجتماعية وحقوق الإنسان تطارد مجرمي المال العام ومجرمي الانتهاكات الجسيمة والجلادين وأولياءهم إلى الأبد.
البدالي صافي الدين
للمزيد في جسر ميديا:
- بن بركة والمانوزي: 29 أكتوبر، والحقيقة ما تزال غائبة
- 20 غشت 1953-2026: ثورة لم تكتمل
- حقوق الإنسان في المغرب: اللغز 5، هيئة الإنصاف والمصالحة وعدت، والقضايا الجارية تقول غير ذلك
- 16,96 مليار مقابل 13,4: الدولة تعطي مقاولاتها العمومية أكثر مما تأخذ منها
- حكايات الأستاذ محمد ماݣري: حي بوشنتوف، حيث وُلد النضال
أسئلة شائعة حول اغتيال المهدي بن بركة
متى اختُطف المهدي بن بركة؟ اختُطف في باريس يوم 29 أكتوبر 1965، أمام مقهى «ليب» في شارع سان جيرمان، ولم يُعثر على جثمانه إلى اليوم. ويُخلَّد ذكراه كل سنة يوم 29 أكتوبر.
ما هو “مؤتمر القارات الثلاث”؟ مشروع كان يهدف إلى توحيد أكثر من 80 حركة تحررية من إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية في جبهة عالمية واحدة. وكان بن بركة رئيس لجنته التحضيرية، وكان المؤتمر مقرراً في هافانا سنة 1966.
ما هي “سنوات الجمر والرصاص”؟ تسمية تُطلق على مرحلة القمع والاختطافات والمحاكمات التي طالت المعارضة المغربية بعد اغتيال بن بركة.
ما هي قضية “بانام” أو “محاكمة الوزراء”؟ قضية فساد ارتبطت بمشروع فندق لشركة “بانام” الأمريكية بالدار البيضاء، انتهت بمحاكمة وزراء ومسؤولين بين 1971 و1973.




