أحمد الطالبي المسعودي: الجزائر، من الاستقبال إلى الاعتقال
جسر ميديا | ملفات وشهادات
الجزء الثاني من سلسلة حوارية مع المناضل اليساري المغربي أحمد الطالبي المسعودي، صاحب كتاب “الجزائر، حكاية عشق”، حاوره عبد السلام مجلاوي لحساب جسر ميديا. الآراء والروايات الواردة هنا تلزم صاحبها وتعكس شهادته الشخصية.
جسر ميديا: بعد تأسيس “الاختيار الثوري” واختياركم العمل من الجزائر، كيف كانت علاقتكم بالجزائريين استقبالا وانتماء؟
في نهاية الستينيات، وللانفلات من الاعتقال في المغرب إثر تسليم أحمد بنجلون وسعيد بونعيلات من طرف سلطات فرانكو، التجأ مناضلو الحزب إلى الجزائر، أقصد هناك الاتحاد الوطني للقوات الشعبية. سجّلت نفسي في سلك الدكتوراه بالجامعة، وخالطت هناك العميد السابق لكلية الآداب بالرباط الذي كان أستاذي في المغرب، وبواسطته تعرفت على وزير التربية الوطنية وقتها الدكتور طالب الإبراهيمي، وكذا المفكر الجزائري عبد المجيد أمزيان الذي كان مدير ديوان الرئيس الجزائري أحمد بنبلا، الذي لم يحتك بالأوساط السياسية الجزائرية بسبب الخلافات بين أطراف المعارضة الاتحادية التي قررت مغادرة الجزائر.
ابتداء من سنة 1973، إثر استقبال الرئيس الجزائري هواري بومدين لزيارة الفقيه البصري ليطلعني على فحوى لقائه مع الرئيس بومدين، بدأت أتعرف على أطياف من الشخصيات الجزائرية والعربية في إقامة الفقيه البصري بالأبيار، زيارات كانت دورية وإن لي اجتماعات مع فرعي الحزب بالعاصمة ووهران، سواء في قطاع اللاجئين المغاربة أو القطاع الطلابي.
لقد احتككنا بمسؤولين جزائريين وشخصيات من عدة مشارب، ومسؤولي الأمن العسكري والأمن الوطني المكلفين برعاية شؤون إقامة البصري، ومسؤولين من عدة مستويات. كما كان هناك مثقفون مداومون في المنزل ورجال الإعلام، كانت لقاءات مفيدة وغنية بالمعطيات السياسية الإقليمية والعربية.
في مرحلة الثمانينيات، تم تكليفنا من طرف كتابة الاختيار الثوري بالانتقال إلى الجزائر والاستقرار بها لمتابعة العلاقة مع الأصدقاء ومع حركات التحرر العربية والدولية، ومتابعة العمل التنظيمي الحزبي وسط المنفيين المغاربة.
وقد صادف ذلك أنني اقترنت بالسيدة خديجة المحمدي بنت اللاجئين عميد بنت الحسين الخضار المقيم بوهران، مما مكنني من التعرف على العديد من المناضلين الجزائريين الذين كانوا مسؤولي جبهة التحرير الجزائرية بالمغرب، وبالخصوص السيد الحسين الكادري، كما تعرفت على عدة مناضلين كانوا في علاقة مع المقاومين المغاربة في الشمال والناضور، وكذا الدكتور الأستاذ عبد المجيد أمزيان الذي سبق أن أخذ إجازته في كلية الآداب بالرباط، وكان أحد مسؤولي التنسيق بين المقاومين المغاربة والجزائريين.
خاصة علاقته مع سعيد بونعيلات، وأصلت عملي في العاصمة الجزائرية مع الأحزاب دون كلل ولا ملل مع حركات التحرير العربية والدولية. أذكر أنه في هذه الفترة كانت العاصمة الجزائرية مقر قيادة الحركات الفلسطينية وأمريكا اللاتينية، وكانت مهمة شرح ملابسات قضية الصحراء ضمن الأولويات المطروحة. وكانت عدة أطراف تستمع لوجهة نظرنا خاصة أننا نربط بين السيادة الشعبية والسيادة الوطنية: موقفنا الجذري من النظام في بلدنا شيء، والموقف من الأراضي المحتلة من طرف الاستعمار الإسباني شيء آخر.
أوضحت في حلقات مع حركات التحرير موقفنا وكنت أسافر إلى مؤتمرات دولية، وأعلن ضمن وفد حركتنا موقفنا المبدئي، وأثناء مقابلة آية الله الخميني، ذكرت الذين تحاورت معهم ضمن وفد الاختيار الثوري بثورة أحمد الهبة المنطلقة من الصحراء المغربية، استمع إلى وجهة نظرنا آية الله منتظري الذي كنا ضيوفا في بيته، وآية الله خلخالي رئيس المحكمة الثورية الذي أحاله آية الله خميني للمحادثة معنا.
جسر ميديا: كيف تطورت هذه العلاقة لاحقا، خاصة مع بروز مؤشرات التقارب الرسمي بين الرباط والجزائر مطلع الثمانينيات؟
وأنا أتابع عملي النضالي والتفاعلي، أحسست أنني أُراقَب، فأخبرت عائلتي وأخبرت حزب جبهة التحرير الجزائرية بأن هذه المراقبة أكثر من اللازم، فأجابني أنها مجرد مراقبة روتينية لصالحك وحمايتك.
في 6 فبراير 1983، كان لقاء على الحدود بين الملك الحسن الثاني والشاذلي بنجديد بعد فترة من القطيعة. فكان السؤال الذي نطرحه وقتها: ماذا سيكون وضع المعارضة المنفية بالجزائر في ظل مصالحة تمت بين النظامين؟
في ليلة 5 أكتوبر، تم اعتقالي وتم الزج بي في زنزانة الأمن العسكري بحي معراف، ثم كان التعذيب الرهيب لا ودع، فيما بعد سجن البرواقية السيئ الذكر، بعد إطلاق سراحي بعد قضاء عامين بالسجن، فُرضت علي إقامة جبرية لعدة سنوات.
هذه المحنة دفعتني لاحقا لكتابة شهادة تاريخية أردت أن أضعها بين أيدي الشباب المغاربي خاصة في الجزائر والمغرب، عن مرحلة عشتها، وهو في الوقت نفسه سرديات عن تاريخ النظام في الجزائر منذ استقلال هذا البلد الشقيق.
يتقدم جسر ميديا بجزيل الشكر للأستاذ أحمد الطالبي المسعودي على غنى شهادته. الجزء الثالث من هذه السلسلة، حول كتاب “الجزائر، حكاية عشق” والنظرة الحالية للعلاقات المغربية الجزائرية، قريبا على جسر ميديا.



