أحمد الطالبي المسعودي: “الجزائر، حكاية عشق”… ونظرة إلى الغد المغاربي
جسر ميديا | ملفات وشهادات
الجزء الثالث والأخير من سلسلة حوارية مع المناضل اليساري المغربي أحمد الطالبي المسعودي، صاحب كتاب “الجزائر، حكاية عشق”، حاوره عبد السلام مجلاوي لحساب جسر ميديا. الآراء والروايات الواردة هنا تلزم صاحبها وتعكس شهادته الشخصية.
جسر ميديا: ما الذي دفعكم لكتابة “الجزائر، حكاية عشق”، وما الذي لم يتم تناوله بعد في الكتاب ولم يُكشف عنه؟
الكتاب وثيقة إشهاد تاريخية أردت أن أضعها بين أيدي الشباب المغاربي، خاصة في الجزائر والمغرب، عن مرحلة عشتها، وهو في الوقت نفسه سرديات عن تاريخ النظام في الجزائر منذ استقلال هذا البلد الشقيق.
منفيون مغاربة، قادة من المقاومة المغربية وجيش التحرير، ناضلوا مع الثورة في الجزائر، وناضلوا من أجل السيادة الشعبية والديمقراطية بالمغرب، ووجدوا أنفسهم ضيوفا منفيين في بلدهم المضيف. عاشوا في أحضان الشعب الجزائري دون حساسية أو بغضاء، درس أولادهم وبناتهم جنبا إلى جنب مع أبناء البلد المضيف، كيفما كانت صعاب الغرب يحتفظون بمحبة خاصة لشعب الجزائر.
هذا أيضا شأني: عشت في الجزائر في مختلف المستويات الرسمية والشعبية، وتعرضت للمحن بسبب مواقفي المبدئية، الذين أهانوني وعذبوني ونكلوا بي المخابرات العسكرية أداة تنفيذ سياسة خاطئة تجاه المناضلين المغاربة وتجاه شعب الجزائر نفسه، فمع أفواج مناضلين ومعارضين جزائريين عشت في سجن البرواقية.
فبأي حق أحمل المسؤولية للجزائر وشعبها وأشارك في تعميم سياسة البغضاء وتفريق أبناء شعبين مفروض بالنسبة لي أنهم شعب واحد؟ عشت في الجزائر أعجبت بشعبها بشبابها ومناضليها التاريخيين وبالبلد نفسه، ومن هنا جاءت تسمية كتابي “الجزائر حكاية عشق”.
وكلما مرت الأيام والشهور ازداد عشقا، وستكون أجمل لحظة في حياتي أن تُفتح الحدود وأتمكن من معانقة أصدقائي وأحبتي هناك.
كان لصدور الكتاب فعل احتفائية في المغرب، إذ نُظمت حوله لقاءات وندوات وحوارات، وبحكم أني بطبيعتي لا أميل إلى التعاطي الشخصي مع الإعلام منذ رجوعي من أي منفى، بقيت مقتصرا على المشاركة في التكوين. إلا أنني حُصرت بسبب الكتاب بحوارات ولقاءات مختلفة ترتب عنه النبش في مسببات الخلاف الجزائري المغربي، ومن الأسرار من محلها. ومن المثير أن اهتمام الشباب والجامعيين بدأ من كتابي الأول، وجد صداه في البوادي والمناطق الجبلية، فقد علمت أن بعض العلماء والفقهاء وعمداء المدارس العتيقة اقتنوه ودرسوه وعلقوا عليه، وتوصلت أحيانا بانطباعاتهم.
على المستوى الجزائري، بمبادرة من أصدقاء جزائريين، تمت دعوتي لتنظيم لقاء في باريس حضره ثلة من المثقفين المغاربيين، وشاركوا بدورهم في تقديم قراءتهم حول الكتاب الذي وجدوا فيه أنفسهم، حسب تعبير أحد المتدخلين، نتج عن هذا اللقاء حوار بين الجمعيات المغاربية الجزائرية في مستقبل الأيام. وفي لقاء ثان بمقر جمعية المغاربة بفرنسا، تم لقاء جزائري مغربي مشترك تم فيه أخذ مبادرة مشتركة للتعاون في المستقبل.
هل هناك شهادة لم أدل بها لم ترد في الكتاب؟ نعم، هناك شهادة سأكشف عنها قريبا وأعتبرها “سر الأسرار”.
جسر ميديا: بعد هذه المسيرة الطويلة، كيف تنظرون اليوم للعلاقات المغربية الجزائرية؟
لم تمر ثلاثة أسابيع بعد ذكرى 20 غشت، التي ترمز إلى الحدث التاريخي في تاريخ الانتفاضة المغربية في وجه الاستعمار، ذكرى أحداث واد زم وخنيفرة وسكيكدة الجزائرية التي انطلقت بمبادرة نضالية من المقاومة المغربية الجزائرية.
وأنا أتحدث عن العلاقة المغاربية الجزائرية المشتركة، تعود بي الذكرى إلى وحدة عرفها التاريخ المشترك من خلال تجربة الدولة الموحدية التي قادها مؤسسون: ابن تومرت السوسي وعبد المومن بن علي الجزائري، وامتد نفوذها إلى الأندلس.
وتحضرني تجربة الأوائل: عمر المختار الليبي، وعبد القادر الجزائري، والثعالبي التونسي، وعبد الكريم الخطابي والتلاحم بين المقاومتين في الشمال المغربي من خلال جيش التحرير، وهو امتداد لتجربة الخطابي وطلائع جيش التحرير الجزائري المنصهرة في عمل مشترك في الناضور ووجدة والمناطق الحدودية.
ناهيكم عن مؤتمر مدريد للمقاومتين المغربية والجزائرية ومكتب المغرب العربي في القاهرة سنة 1947، ومؤتمر طنجة سنة 1958 الذي قرر تأجيل نقط الخلاف الحدودية إلى ما بعد استقلال الجزائر.
إن الترابط التاريخي سجله التاريخ المشترك، علاوة على القواسم المشتركة: اللغة، الثقافة، الدين. من هنا نحتاج نحن للنضال من أجل إعادة الأمور إلى نصابها، والاتجاه بنبذ الشوفينية والجهوية الضيقة نحو بناء قضاء مغاربي مشترك يكون فيه التكامل الاقتصادي المغاربي العنوان الأساسي، ويتحول التكامل الاقتصادي مشروعا مجتمعيا.
وكما أشرت إلى ذلك في مقدمة كتابي “الجزائر حكاية عشق” التي حررتها في “جوج بغال” الحدود المغربية الجزائرية، فإن مناضلة جزائرية فإنه لابد من اعتماد “المحلية” في تجاوز الأزمة لاسترجاع وعي الشعوب بعد محاولة إفساده عبر الإعلام الزائف، لا بد من خلق مناخ تصالحي للإنجاز التاريخي:
فتح الحدود - الترخيص بالزيارات العائلية - فتح جسور للتبادل الثقافي والفني والسياحي - تنشيط المجال الحدودي لكسر الحواجز وإنعاش المناطق الحدودية التي تعيش بؤسا حقيقيا - فتح أبواب التعاون التجاري مستقبلا.
وعلينا جميعا فاعلين ثقافيين أو سياسيين أو مناضلين أو إعلاميين إنجاز مقدمات سياسية جديدة للتعبئة: ندوات، خلق جبهات نضالية مشتركة بين الإخوة الجزائريين والمغاربة، وهنا يكتسي مجال الهجرة المغاربية والعمل في إطارها أهمية مركزية في الظرف الراهن.
فحسب تجربتي ولقاءاتي، لا مجال للبغضاء بين المهاجرين المغاربة والجزائريين، ومن هنا ضرورة التفاعل والاتجاه أيضا إلى النخب الفكرية والسياسية والحقوقية والأحزاب التقدمية في المنطقة المغاربية للعمل على تجاوز هذه المرحلة العصيبة.
وهنا أهنئكم على إنشاء هذا المنبر الإعلامي الذي يمثل بحق “إعلام القيم”، وأجد نفسي في قلب اقتراحاتكم، فمزيدا من الوعي المغاربي الشامل من أجل مغرب كبير متحرر ومزدهر.
يتقدم جسر ميديا بجزيل الشكر للأستاذ أحمد الطالبي المسعودي على غنى شهادته على امتداد هذه السلسلة الحوارية الثلاثية.



