للضوء بقية ....
بقلم عبد الغني عارف
في هذه القراءة: سيميائية الصورة شارة النصر كأس الماء الوجوم المبدأ والممارسة
يقول جوليان كريماس: “ تستعمل كلمة السيمياء في معان مختلفة لتدل على موضوع معرفي كما يظهر للدارس أثناء الوصف وبعده، أو على الوسائل المختلفة التي تمكننا من استكشاف ذلك الموضوع.” (معجم السيميائيات - ص39)
على الرغم من الطابع العام لهذا التعريف، فإنه يستند إلى جملة من الأطروحات النظرية والتحديدات المفاهيمية والتيارات التي جعلت من السيميائيات مجالا تتقاطع فيه كثير من العلوم والحقول المعرفية المختلفة، مما جعل البعض يَسِمُهَا بكونها “علم العلوم”. وما يهمنا نحن هنا، وباختزال شديد، هو الإشارة إلى أن المشترك من الناحية المنهجية بين كل من يشتغل في مجال السيميائيات هو السعي إلى معرفة السياقات والظروف التي تتحكم في إنتاج المعاني وتفكيك النظام الذي عبره تتولد الدلالات، بغض النظر عن موضوع التحليل والاشتغال (صورة بصرية، نص مسموع، نص أدبي مكتوب، ظاهرة ثقافية أو اجتماعية…. إلخ). وبذلك فإن هدف السيميائي بالدرجة الأولى هو الكشف ليس فقط عما يقوله نص ما وعن المعنى الذي يتضمنه أو الرسالة التي يريد تبليغها، وإنما أساسا العمل على تفكيك الكيفية التي تتشكل بها المعاني والدلالات في ضوء سلسلة من العلامات وطبيعة العلاقات القائمة بينها، وكذا الترميز الثقافي للسياقات التي تندرج فيها تلك العلامات.
وبما أن موضوع حديثنا يتصل بمحاولة إنجاز قراءة تحليلية لصورة تلفزيونية، فمن المفيد التوكيد منذ البداية على أن أي صورة، كيفما كانت طبيعتها ومهما اختلفت سياقاتها، لا تقدم لنا نفسها باعتبارها مجرد معطى بصري محايد، بل إن كل صورة - كما اللغة تماما - هي شكل من أشكال تقطيع الواقع، فكما أن اللغة تصوغ الواقع عبر شبكة من المفاهيم والتعابير اللفظية التي تحول ذلك الواقع إلى معطيات متوافق بشأنها بين الأفراد والجماعات، ماديا أو رمزيا، فإن الصورة باعتبارها معطى مفتوحا على كل التأويلات الممكنة والمحتملة، تختزل مجموعة من الدلالات التي تتولد عبر آليتي التلقي والتأويل، فتكون بذلك مصدرا مولدا للمعاني التي تختلف وتتعدد حسب تنوع ظروف التلقي ومقاصد المتلقي، الضمنية منها والصريحة.
كما يتضح من العنوان أعلاه، هذه القراءة، وإن كانت تطمح إلى أن تكون “علمية” من حيث الأداة المنهجية المعتمدة في الدراسة والتحليل، فإنها في الواقع تقر بكونها قراءة تأويلية غير محايدة (هذا إذا افترضنا أن هناك حيادا أصلا في الدراسات التي لا تنتمي لمجال العلوم الحقة)، وإن كنا سنحاول اعتماد مؤشرات تربط بين منطوق الصورة والتأويل الذي سنصل إليه بشأنها وفق ما يسميه شارل بيرس (عالم منطق ورياضيات أمريكي وأحد مؤسسي علم العلامات، أي السيميائيات، ومن أبرز مؤسسي الفلسفة التداولية البراغماتية.) العلاقة الواقعية والسببية، ولذلك فإن مستويات التفكيك والتأويل في هذه القراءة تبقى لصيقة بالأهداف المراد منها، أي أن الدلالات التي نثبتها هنا عبر خاصية التأويل هي دلالات افتراضية ومحتملة وليست أحكام قيمة جاهزة، ومن ثم فهي قابلة للنقد والنقض والاعتراض.
إن هذا التصريح القبلي بالخروج من دائرة الحياد هو ما سيجعل مقاربتنا تنزاح بين الحين والآخر، وبمسافة معينة - قريبة أو بعيدة - عن روح المنهج السيميائي الذي لا يهتم عادة، وفي الغالب، إلا بكيفية إنتاج الدلالة وليس بالضرورة بعلاقتها بالمعطيات المرجعية الخارجية للظاهرة المدروسة.
ولعل ما يهمنا أكثر في هذا الاختيار المنهجي هو ما أكد عليه كل من دي سوسير وهمسلف في الإشارة إلى عدم وجود معنى جاهز إلا عبر المفارقة وضمنها، أي أن النظام الذي يكشف عن الفروقات والمفارقات والتباينات والتعارض بين العناصر داخل نص أو خطاب أو صورة ما، هو الذي يولد المعاني والدلالات.
لقد اخترنا، موضوعا لهذه المقاربة السيميائية، صورة مجتزأة من البرنامج الحواري (مباشرة معكم) الذي قدمته القناة الثانية المغربية ليلة الأربعاء 14 أكتوبر 2026 حول موضوع المشهد السياسي بالمغرب بعد انتخاب رئيس جديد لمجلس النواب واستمرار مشاورات تشكيل الحكومة الجديدة في ضوء نتائج الانتخابات التشريعية ليوم 23 شتنبر 2026. وللتذكير فقد شارك في هذه الحلقة ممثلة عن تحالف اليسار وممثلون عن أحزاب العدالة والتنمية والأصالة والمعاصرة والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية. وسنتحدث عنهم جميعا في هذه الدراسة التحليلية كأشخاص بدون تعيين اسمي وبدون العودة باستمرار لصفاتهم الحزبية.

فكيف إذن تنتج الصورة التي نحن بصددها دلالتها ومعناها؟
مكونات الصورة بين المقاربة السيميائية والتأويل السياسي
في الصورة نحن أمام أربع شخصيات حزبية، أي أربع وضعيات قابلة للتشريح السيميائي بالإضافة إلى منشط البرنامج ووجوه من الجمهور الحاضر (مع الإشارة إلى أننا لن نُدرج المنشط والجمهور ضمن عناصر التحليل لاعتبارات منهجية.)
إن أول ما يواجهنا في التقطيع البصري التجزيئي للمشهد شخصان في مقدمة الصورة يشتركان في رفع شارة / علامة النصر. ولابد أن نستحضر هنا أن العلامات في مجال الدراسات السيميائية لا تكتسب دلالاتها فقط من طبيعتها الشكلية، وإنما بالدرجة الأولى من السياق الذي يتم فيه التعبير بواسطة تلك العلامة (هنا مثلا علامة v ) ومن هوية الشخص الذي يستعمل تلك العلامة، لأنه يمكن أن يكون لنفس العلامة أوجهٌ ومعانٍ تتباين حسب تباين الثقافات والمقاصد والسياقات التداولية في الاستعمال. ومن هنا، وبناء على معطيات السياق السياسي المغربي الراهن يمكننا القول بأنه على الرغم من وحدة علامة النصر بين الشخصين في مقدمة الصورة، فإن المعنى المتولد لدى كل واحد منها مختلف، وهذا بيان الأمر:
الشخصية الأولى: شارة النصر
بالنسبة للشخصية الأولى (السيدة) تعتبر شارة النصر جزءا من تعبيراتها المعتادة في الممارسة السياسية، باعتبارها تنتمي لثقافة اليسار، وبالتالي فعلامة النصر أيقونة سيميائية رمزية تحيل في قسم كبير منها - وعلى المستوى العالمي- على الفعل النضالي اليساري، وإن لم تكن حكرا عليه بالضرورة، علما أن التوظيف الرمزي لهذه العلامة هو حديث جدا، إذ يعود بالضبط إلى يوم 14 يناير 1941، عندما أطلق السياسي البلجيكي “ فيكتور دو لافليه” نداء عبر إذاعة لندن يطلب فيه من مواطنيه استعمال حرف V تعبيرا عن مقاومة الاحتلال النازي، في إشارة لكون هذا الحرف هو الأول في كلمات Victory الإنجليزية، وVictoire الفرنسية، و Vrijheid الهولندية.
وكأن الشخصية الأولى تؤكد الإعلان عن حضور قوي ولافت لمكون يساري صاعد بثقة، ليس فقط في النقاش العمومي، بل وفي الخريطة السياسية الجديدة التي أفرزتها نتائج اقتراع يوم 23 شتنبر 2026. إن شارة النصر هنا تعبير تلقائي عن نوع من التحدي والصمود.
الشخصية الثانية: العلامة نفسها، والمعنى غيره
أما بالنسبة للشخصية الثانية، فأول ما يمكن قوله هو كون علامة النصر ليست من صميم الثقافة التنظيمية والتعبيرية المنسجمة مع انتمائها السياسي والعقائدي، وهو انتماء غالبا ما يلجأ إلى التلويح بالقبضة (رغم أن القبضة المرفوعة هي في الأصل تعبير لصيق بالحركة العمالية اليسارية) أو برفع الإصبع الواحد (السبابة) للتعبير الرمزي عن موقف أو حضور سياسي ولكن بخلفية دينية عقائدية، خصوصا حينما يكون مصحوبا بشعارات التكبير. ولعل في الاستعمال - عن قصد أو بشكل لاواع - لعلامة النصر نوعا من الرغبة في تأكيد الوجود السياسي وكمحاولة لتحجيم والتقليل من ضغط معطيات التداول السياسي الراهنة التي جعلت الحزب الذي تنتمي إليه الشخصية الثانية خارج دائرة التأثير الفعلي في ما يجري من تطورات.
كخلاصة أولى، ومن منظور سيميائي، يمكن القول إننا أمام علامة واحدة للتعبير، ولكنها علامة لا تعني الشيء نفسه ولا تولد المعنى ذاته من زاوية التأويل السياسي لدلالتها. فوحدها كاميرا التصوير هي الجامعة بين الإشارتين في لحظة زمنية واحدة، أما غير ذلك فإن استثمار مجموعة من القرائن البصرية الأخرى يسمح بإثبات الاختلاف في المرجعية السياسية للشخصيتين معا مما يولد معاني مختلفة ومتباينة لمقصدية كل منهما.
أما بالنسبة للشخصيتين الأخريين، أي الثالثة والرابعة في الصورة التي هي موضوع الدراسة، فبإمكاننا تسجيل ما يلي:
الشخصية الثالثة: كأس الماء
بالنسبة للشخصية الثالثة أول ما يثير الانتباه في الحضور الجسدي هو كونها تأخذ بيدها اليمنى كأس ماء للشرب. وهو ما يشكل المفارقة الأولى في الصورة، مقارنة مع الشخصيتين السابقتين حيث استعملت لديهما اليدان لرفع شارة النصر أو التحدي، بينما الشخصية الثالثة تستعمل اليد لرفع كأس ماء. وبتجاوز الوضع الطبيعي والعادي لسلوك من هذا النوع في الحياة اليومية والذي يمكن أن يقوم به أي شخص يهم بشرب الماء، فإنه من زاوية الرؤية السيميائية لسياق وموضوع الحوار الدائر في البرنامج، يمكن أن يولد دلالات أخرى، فنحن في الحقيقة أمام تقابل بين موقفين متناقضين: موقف يدٍ ترفع شارة النصر، وموقف يدٍ تشدد قبضتها على كأس ماء. وباستنطاق تأويلي لهذا التقابل يمكن أن نخرج هذا السلوك من دائرته الطبيعية المعتادة إلى دائرة الحمولة الرمزية: إن الهاجس الحاضر لدى الشخصية الثالثة هو الرغبة في الارتواء، وهذه الرغبة يمكن أن يكون لها سببان، أولهما، الشعور بالضيق والحرج وعدم الارتياح، فكثير من الدراسات النفسية تؤكد أن اللجوء إلى شرب الماء في وضعيات معينة لا يدل بالضرورة على الشعور بالعطش، بل هو إوالية لا واعية لمواجهة الضغط النفسي ومحاولة التخفيف من حدة التوتر الذي غالبا ما يكون من الناحية الفسيولوجية مصحوبا بجفاف الفم.
أما السبب الثاني المتصل بشد القبضة على كأس الماء لدى الشخصية الثالثة، فيمكن تأويله بكونه تعبيرا عن نوع من اللهفة والطمع في المزيد من إدخال كل ما يمكن إدخاله إلى الفم، أي التعبير عن الرغبة في ضمان شروط الاستحواذ على الثروة والخيرات. الكأس هنا معادل رمزي للمصالح التي ينبغي الحرص على الإمساك بها وضمان استمرارية الاستفادة منها. اليد في هذا المشهد غير محررة، بل هي أسيرة مهمة محددة: شد القبضة على غنيمة حتى لا تنفلت وتضيع! . هكذا تتحول كأس الماء في هذه الصورة، من منظور سيميائي تأويلي، إلى رمز للاستحواذ والسلطة والجشع، حيث ترى الشخصية الثالثة في شارة النصر المرفوعة أمامه نوعا من التهديد الرمزي لموقعه في بنية التسلط واستغلال ثروة البلاد.
الشخصية الرابعة: الوجوم
أما بالنسبة للشخصية الرابعة، فيقدمها لنا التقطيع البصري للصورة في وضع تبدو فيه في وضع جسدي سمته الوجوم والجمود، وهو ما يعبر في بعض من تجلياته عن نوع من الارتباك الصامت. الشخصية هنا تحاول الترتيب الداخلي للأفكار أكثر من التفاعل مع ما يجري في سياق الحوار. كل العلامات الجسدية لدى هذه الشخصية توحي بانها غير مرتاحة، أو كأنها مطالبة بالدفاع عن أفكار ومواقف واختيارات ليس لديها اقتناع داخلي حقيقي بشأنها. وكأننا - وحسب التأويل المقصود هنا - بصدد شخصية مترددة في الإفصاح عن حقيقة ما تفكر فيه بشأن المسافة بين المبادئ وبين التحالفات والاختيارات التي أفرزتها وتفرزها محطة مشاورات تشكيل الحكومة المغربية الجديدة. إن سيمياء الصورة الشخصية الرابعة تعبر بوضوح عن وضعية / مأزق: مأزق في الحديث ومأزق في ضبط بوصلة الهوية، ولذلك تسمح لنا قراءة الصورة بتأكيد كون “جمود” الشخصية الرابعة هو في العمق تعبير عن المفارقة بين المبدأ والممارسة. وبغض النظر عن الانتماء الحزبي للشخصية الرابعة في الصورة، من الممكن الخروج من دائرة هذا التأويل ونتجاوزه لنتساءل بشكل عام: ما الذي يحدد بالضبط هوية حزب سياسي ما، هل مبادؤه وشعاراته واختياراته وذاكرته المرجعية المسطرة في الوثائق، أم تحولاته التي تمليها التغيرات الظرفية؟ .. هل من المقبول أن ينزاح حزب ما عن الإطار المرجعي المحدد لانتمائه فقط للاستجابة لاختيارات ذات طبيعة براغماتية.؟
للصورة بلاغتها
ولأن لكل صورة بلاغتها الخاصة، فإن التفاصيل الجزئية التي عادة ما لا ننتبه إليها، كثيرا ما تفضح وتكشف عن “حقائق” يراد السكوت عنها أو التعتيم عليها بشكل مقصود، ولكنها تظهر وتنكشف فجأة في جزئية صغيرة وكأنها تختزل أمورا وقضايا كبرى في لمحة مشهدية محدودة.
أخيرا نقول بإننا لا ندعي كون هذه المقاربة السيميائية للصورة قد مكنتنا من ضبط حقيقة الشخصيات وما تفكر فيه، بقدر ما أنها كانت أداة لاستنطاق وتأويل بعض العناصر المكونة للصورة من أجل بناء قصدية لإعادة تأويل ما توحي به تلك العناصر في علاقتها بالسياق الحواري والسياسي العام الذي تم فيه التقاط تلك الصورة، مع التوكيد على أن هذا التأويل يبقى دائما مجازيا ومجرد وجهة نظر من بين وجهات نظر أخرى كثيرة ومختلفة.
بهذا الفهم إذن تخرج الصورة من إطارها التواصلي العادي إلى إطار آخر تصبح فيه قابلة لتعدد القراءات المجازية التي تمكن من توليد معان جديدة وتأويل تلك المعاني لإنتاج خطاب جديد يتجاوز البنية البصرية المادية للصورة، إلى ما توحي به من دلالات ورموز وما تطرحه من أسئلة وتفتحه من آفاق. وبهذا المعنى فنحن أمام صورة تفضح تناقضات كثيرة في الواقع ليس باللغة والكلام، وإنما عبر الأبعاد السيميائية لمكوناتها وعناصرها.
عبد الغني عارف
انتهت المقالة.
للمزيد في جسر ميديا:



