«معركتنا اليوم أكبر من الانتخابات»: نداء ثانٍ لعبد الغني عارف
نصف الناخبين المسجلين لا يصوتون: نسبة المقاطعة التي تفسر استعجالية النداء
حسب الرقم الذي أعلنته وزارة الداخلية، بلغت نسبة المشاركة في الانتخابات التشريعية ليوم 8 شتنبر 2021 50.35 في المائة من المسجلين - في ارتفاع ملحوظ مقارنة بـ43 في المائة سنة 2016، لكن هذا يعني أيضا أن ما يقارب ناخبا من أصل اثنين (49.65 في المائة) قاطع التصويت، في بلد كان يضم آنذاك 17.51 مليون ناخب مسجل، وهو أكبر جسم انتخابي في تاريخه. هذه الفجوة بين عدد الناخبين المحتملين والانخراط الفعلي في صناديق الاقتراع هي ما يغذي، منذ عدة استحقاقات، نداءات تعبئة الحقل الثقافي والفكري - ونداء عبد الغني عارف هو آخر تعبيراتها.
نداء أول بلا لون حزبي معلن
قبل أيام، بعث إلينا الأستاذ عبد الغني عارف بنداء أول موجه “إلى المثقفين والفنانين والمبدعين” بالمغرب، يدعو فيه إلى دعم “دينامية التغيير المنشود” مع اقتراب الانتخابات التشريعية المقررة في 23 شتنبر 2026 - دون تسمية أي لون سياسي بعينه. كان النص أقرب إلى يد ممدودة، دعوة لكسر الصمت أكثر منه شعارا موجَّها.
لماذا يسمي النداء الثاني هذه المرة قوى اليسار
النص الثاني، المؤرخ في 18 شتنبر 2026 بالمحمدية، يكسر هذا التحفظ. يسمي فيه عبد الغني عارف هذه المرة “قوى اليسار” - بصيغة الجمع، دون تسمية تنظيم أو تحالف بعينه - ويدعو المثقفين والفنانين والمبدعين المغاربة إلى مساندتها، مع تأكيده أن هذه المساندة ليست ولاء تنظيميا ولا انتماء حزبيا بالمعنى الضيق، بل تعبير عن التزام بـ“فكرة الحرية والكرامة والتحرر”.
النص الكامل للنداء
ننشر أدناه النداء كما وصلنا، وهو يلزم صاحبه.
أيتها المثقفات والفنانات والمبدعات.. أيها المثقفون والفنانون والمبدعون بالمغرب…
إن وطننا اليوم في حاجة إلى مبادراتكم ومواقفكم، ذلك لأن معركتنا اليوم أكبر من الانتخابات، وأكبر من حزب، وأكبر من أصوات صناديق الاقتراع، وأكبر من مقاعد… إنها بقدر ما تلامس ذلك كله وتتجاور معه، فإنها تتجاوزه في الآن نفسه. إنها معركة أن نكون فعلا في هذا الوطن بكل مقومات الكينونة الإنسانية التي نستحقها أو ألا نكون…
إننا نمر من مرحلة دقيقة، مهما اختلفت تقديراتنا لطبيعة هذه المرحلة، ومهما تباينت قراءاتنا لتفاصيلها، ولكنها تبقى مرحلة لها خصوصيات تميزها عن باقي المراحل السابقة في تاريخ المغرب الحديث. اليوم نحن لسنا فقط في صراع مع الاستبداد والفساد بالمعنى الكلاسيكي الذي خضنا فيه الصراع لعقود مضت… اليوم هناك هجوم آخر من قوى تريد أن تجردنا من كل ما للحياة من روح وفرح ومتعة الحياة وحرية في التفكير والإبداع، قوى تريد أن تحولنا إلى سبايا العصر وعبيد الأوهام والخرافات، وترجع بنا إلى الوراء قرونا وقرونا.
أن ينتفض المثقفون والفنانون والمبدعون اليوم لمساندة قوى اليسار بالمغرب لا يعني أنهم يقدمون ولاء تنظيميا مجانيا لجهة سياسية معينة أو يعلنون عن انتماء حزبي بالمعنى الضيق للكلمة. الأمر أبعد وأعمق من ذلك، وبكثير… إنهم فقط يبادرون من أجل ملء مساحة الفراغ بين الفعل الثقافي والنبض المجتمعي، وبذلك يعلنون عن حقيقة الانتماء لفكرة ولحلم لا ينبغي أن يموتا: فكرة الحرية والكرامة والتحرر. إنهم يطلقون نداء التاريخ من أجل تحصين الأمل وتجديد الثقة في المستقبل، في مناخ يزرع فيه دعاة الظلام ودعاة القهر كل ممكنات الإحباط.
لقد شكلت الثقافة عبر العصور قوة دفع مركزية لكل التحولات الكبرى في التاريخ، وكانت دوما مغامرة في اتجاه الهدم البنَّاء، وذلك عبر الإنصات لنبض التاريخ حين تهدر براكينه بضرورة التجاوز والتغيير.
إن هناك لحظات في التاريخ لا تحتاج إلى التردد والتقاعس ولا تسمح بهما، بل تحتاج إلى الوضوح واتخاذ الموقف الذي تستدعيه اللحظة بكل استقلالية وجرأة، بدل الانغلاق داخل صدفة طمأنينة وصفاء مصطنعين والاستكانة للتبريرات التي لا تقنع حتى أصحابها، فالأحرى أن تقنع الآخرين. إن ثقافة الانسحاب لا تحقق في الواقع سوى استدامة شروط البؤس والرداءة، كما أن عدم مواجهة حقائق الواقع لن يصب، في نهاية المطاف، سوى في طاحونة إعادة إنتاج ما هو قائم، وربما في ظروف أكثر سوءا وتعقيدا.
وعليه فإن الانغلاق داخل دائرة أمان منفصلة عن الواقع ومتعالية عليه لا ينسجم مع ما هو منتظر من المثقف، وإلا فما الذي يميزه أصلا عن باقي أفراد المجتمع الآخرين.
ولأن أساس كل إبداع وفن هو الحلم بما هو أجمل، فلنضع الثقة في بعضنا البعض، ولنضع يدا في يد من أجل تغيير موازين القوة لصالح هذا الحلم الجميل المشترك ومن أجل توسيع مساحات الأمل في هذا الواقع البئيس والعنيد… فالتغيير نحن الذين سنصنعه ولن ينزل علينا هدية من السماء.
أكيد أنها لحظة اختيار ولكنها أيضا لحظة وعي ومسؤولية، بما يعنيه ذلك من ضرورة الانخراط في سيرورة البناء الديمقراطي والمتدرج للمجتمع البديل والمنشود.
لكل واحد منكن ومنكم الحرية في أن يختار… ولكن تذكروا جيدا أن التاريخ لن يرحمنا إذا أسأنا الاختيار أو إذا بقينا متفرجين ومحايدين مهما كانت بلاغة التنظيرات التي يمكن أن نبرر بها صمتنا وانزواءنا وهروبنا من معركة التغيير. إن مهمة المثقف والفنان والمبدع، في لحظة تاريخية مثل التي يمر بها مجتمعنا، ليست هي أن يقتات من هوامش رداءة الواقع وأن يختبئ وراء طنين الكلمات، أو أن يخلق لذاته طمأنينة مصطنعة عنوانها التعالي والتميز الوهميين، بل إن وظيفته الأساس - لكي يكون وفيا لتربة المعرفة والوعي الحقيقيين - هي المبادرة والمساهمة - كل من موقعه وحسب إمكاناته وقدراته - في تفكيك تمفصلات التأخر والتخلف والاستبداد، وفي اقتحام قلاع الصمت التي تكبل وجدان الشعوب وتلجم أفكارها.
ولأن كثيرا من مظاهر الهشاشة الاجتماعية هي في العمق، وفي كثير من جوانبها، انعكاس مرآوي حقيقي لهشاشة النخبة في تموقعها ضمن خريطة الصراعات والتناقضات الاجتماعية، فإن المجتمعات في لحظة الاختيار لا تكون أمام مجرد التعبير عن الرأي وعن الصوت وعن الموقف، بل تكون أمام امتحان حقيقي لماهية الإرادة وماهية الهوية، لذلك لا نريد أن تكون الثقافة مجرد طقوس كرنفالية للاستهلاك، بل نريدها إسهاما حقيقيا في مختلف ديناميات التغيير. إن التغيير يُصنع ككل الأشياء والمواد في الحياة، ولذلك فهو سيرورة وتربية، وبناء متدرج وتنوير مستدام.
د. عبد الغني عارف - المحمدية - 18 شتنبر 2026
كلمة التحرير
جسر ميديا منبر إعلامي مستقل يعتز بالتزام اجتماعي وحقوقي، لكنه يلتزم بحياد حزبي صارم في مساحته التحريرية. يُنشر هذا النداء بوصفه كلمة شخصية، بهدف توثيقي ومواطن بحت: نمنح فيه الكلمة لقلم مرتقب الانضمام إلى زاوية الفن والثقافة، دون أن يُفهم من مضمونه - وبخاصة الدعوة الصريحة لمساندة “قوى اليسار” - أي انحياز من طرف خط تحرير الجريدة.
توضيح مفيد: نص عبد الغني عارف يتحدث عن “قوى اليسار” بصيغة الجمع، دون تسمية تنظيم بعينه. فالأمر إذن ليس دعما موجَّها لتحالف انتخابي معين لسنة 2026، بل نداء أوسع، موجه إلى مجموع التيارات اليسارية المغربية، التاريخية منها والحديثة.
ما رأيناه جديرا بالنشر، بمعزل عن الموقف السياسي الذي يمكن تأييده أو الاعتراض عليه، هو السؤال الذي يطرحه هذا النص بشكل مباشر: سؤال دور المثقفين والفنانين والمبدعين في اللحظات المفصلية من الحياة الديمقراطية لبلد ما - في سياق نذكّر فيه بأن ما يقارب نصف الناخبين المغاربة قاطعوا آخر استحقاق تشريعي سنة 2021. سواء اتفقنا أو اختلفنا مع الدعوة للتصويت لليسار، يبقى سؤال صمت - أو انخراط - الحقل الثقافي في مواعيد الاستحقاقات الانتخابية سؤالا مشروعا بامتياز. وبهذه الروح، لا بروح توجيه التصويت، اخترنا أن نمنح هذا النص الصدى الذي يطلبه.
أسئلة شائعة
متى ستجرى الانتخابات التشريعية بالمغرب لسنة 2026؟ يُجرى اقتراع 23 شتنبر 2026 لتجديد 395 مقعدا بمجلس النواب، وهو من أبرز المواعيد المؤسساتية لهذه السنة بالمغرب.
كم بلغت نسبة المقاطعة في الانتخابات التشريعية لسنة 2021 بالمغرب؟ حوالي 49.65 في المائة من المسجلين قاطعوا التصويت (نسبة مشاركة بلغت 50.35 في المائة)، وهي نسبة مرتفعة رغم تحسنها مقارنة بـ43 في المائة سنة 2016.
من هو عبد الغني عارف؟ كاتب وروائي وناشر مغربي، مرتقب انضمامه كمُساهم في زاوية الفن والثقافة بجسر ميديا.
هل يتبنى جسر ميديا المواقف الواردة في هذا النداء؟ لا. هذا النص كلمة شخصية، تُنشر بغرض توثيقي ومواطن، ولا تُلزم سوى صاحبها، ولا تعبر عن خط الجريدة التحريري.
هل يدعو عبد الغني عارف للتصويت لحزب بعينه؟ لا. يتحدث عن “قوى اليسار” بصيغة الجمع، دون تسمية تنظيم أو تحالف محدد.
ما الفرق بين هذا النداء والنداء الأول لعبد الغني عارف؟ النداء الأول ظل عاما، ودعا إلى دعم “دينامية التغيير” دون تسمية أي جهة. النداء الثاني يسمي صراحة قوى اليسار المغربية.
متى كُتب هذا النداء الثاني؟ في 18 شتنبر 2026، بالمحمدية، أي قبل خمسة أيام من الاقتراع التشريعي المقرر في 23 شتنبر 2026.







