تواطؤ بين الاتحاد الأوروبي والمغرب (1/2): هبات، إعانات، وصمت
في مطلع غشت 2026، أعلنت بروكسل عن غلاف مالي جديد بقيمة 148 مليون يورو لفائدة المغرب، منها 112 مليون يورو مخصصة لـ“الصمود الاقتصادي والاجتماعي”. مرّ الخبر شبه دون أن يلاحظه أحد، غارقًا في أخبار الصيف. لكنه يستحق التوقف عنده، لأنه ليس معزولًا ولا جديدًا: منذ عقد من الزمن، يضخ الاتحاد الأوروبي للمملكة مئات الملايين من اليوروهات سنويًا، ضمن منظومة تبقى آلياتها الداخلية مجهولة إلى حد كبير لدى عموم الناس، مغاربة كانوا أم أوروبيين.
يطرح هذا الجزء الأول من سلسلة جديدة سؤالًا بسيطًا: هل تحقق هذه الأموال فعلًا الأهداف المعلنة، أم أن الاتحاد الأوروبي تعلّم أن يغض الطرف عن نتائج غير كافية؟
آلية مصممة للذوبان في ميزانية الدولة
خلافًا لفكرة شائعة، فإن الجزء الأكبر من هذه المساعدات ليس قرضًا واجب السداد، بل هبة. تقنيًا، يُطلق عليها “الدعم الموازناتي”: تحويلات مباشرة للأموال إلى الخزينة المغربية، مشروطة بتحقيق أهداف ومؤشرات متفق عليها مسبقًا بين بروكسل والرباط.
تفاصيل الآلية دالة. فبمجرد تحويل هذه الأموال، تفقد أي تخصيص محدد: فهي تندمج في المسار الموازناتي العادي للدولة المغربية، دون بند محاسبي مخصص وقابل للتتبع. يصبح من الصعب، إن لم يكن من المستحيل، معرفة أين ذهبت الأموال الأوروبية بالضبط وكيف صُرفت. تستند الأهلية الأولية لهذه الآلية إلى معايير تبدو صلبة على الورق - استراتيجيات قطاعية موثوقة، استقرار اقتصادي كلي، شفافية موازناتية - لكن الصرف الفعلي للشرائح يمكن أن يتم بشكل ثابت (مبلغ يُمنح دون شرط تحقيق نتيجة) أو متغير (مرتبط بمؤشرات الأداء).
وهنا بالضبط تكمن المشكلة.
السابقة التي كان ينبغي أن تشكل مرجعًا
في عام 2019، نشرت محكمة الحسابات الأوروبية تقريرًا خاصًا مخصصًا للدعم الموازناتي الأوروبي للمغرب بين 2014 و2018. خلاصاته كانت قاطعة. فمن بين العينة المدقَّقة، قامت المفوضية الأوروبية بصرف مدفوعات في عشر حالات دون التحقق من موثوقية البيانات المستخدمة للحكم على تحقق الأهداف. والأسوأ من ذلك: في خمس عشرة حالة، صُرفت المساعدات رغم أن المؤشرات لم تُظهر أي تقدم، بل تراجعًا في الوضع. مثال ذكره المدققون الأوروبيون أنفسهم: عدد الأطباء العامين العاملين في المناطق القروية تراجع خلال هذه الفترة - ودفع الاتحاد الأوروبي رغم ذلك.
الفجوة بين الخطاب الرسمي والواقع المقاس واضحة. حسب وفد الاتحاد الأوروبي بالرباط، تحققت 62% من أصل 54 قيمة مستهدفة محددة بحلول نهاية 2018. أما حسب التدقيق المستقل لمحكمة الحسابات، فقد انخفضت هذه النسبة إلى 40%. وفي الشق المخصص لدعم تنافسية الشركات المصدّرة وحده، استفادت حوالي مائة شركة فعليًا من البرنامج - من أصل 4260 شركة كانت مؤهلة محتملًا، أي بالكاد 2% من الهدف المحدد.
ويشير التقرير أخيرًا إلى تفصيل دال على درجة الشفافية من الجانب المغربي: يُذكر أن وزارة الشؤون الخارجية نصحت باقي الوزارات بعدم التواصل علنًا بشأن المساعدات المتلقاة من الاتحاد الأوروبي.
فاتورة تتضخم رغم الملاحظة
بعد سبع سنوات من هذا التقرير القاسي، لا شيء يشير إلى مراجعة جوهرية للآلية. أما المبالغ، فواصلت الارتفاع: حوالي 500 مليون يورو في 2023 (منها برنامج “كرامة” الرائد للحماية الاجتماعية)، و177 مليون يورو إضافية بعد زلزال الحوز مصحوبة بقرض مضمون بقيمة مليار يورو عبر بنك الاستثمار الأوروبي، ثم 233 مليون يورو في 2025، و148 مليون يورو هذا العام.
تقرير تدقيق قاسٍ، بقي دون ترجمة ملموسة في ممارسات المراقبة اللاحقة؛ ومبالغ تتزايد سنة بعد سنة رغم هذه الملاحظة: الوقائع تتماشى بصعوبة مع فرضية إهمال معزول بسيط.
الحلقة القادمة: مسار تمويل أوروبي ثانٍ، منفصل وأكثر تكتمًا، مخصص لمراقبة الحدود - وسؤال ما إذا كان المغرب قد تعلّم استعماله كورقة تفاوضية.
عبد السلام مجلاوي، مؤسس جسر.ميديا


