39 تدبيراً ضريبياً لم تستطع الدولة قط تقدير كلفتها: ماذا لو كانت الـ31.5 مليار درهم مجرد الحد الأدنى؟
تخيّلوا أنكم تتوصلون، مرة كل سنة، بكشف مفصّل لمصاريفكم — لكن بنككم يحذّركم منذ البداية: «هذا المجموع لا يشمل 39 عملية لم نتمكن من تقدير كلفتها.» هل كنتم لتعتمدوا هذا الرقم بعيون مغمضة باعتباره المبلغ الحقيقي لمصاريفكم السنوية؟ هذا بالضبط، من حيث الجوهر، ما يرويه تقرير المجلس الأعلى للحسابات حول تنفيذ قانون المالية لسنة 2024، المنشور في 8 يوليوز 2026، بخصوص المالية العمومية المغربية.
الرقم جال على وسائل الإعلام: 31.49 مليار درهم من النفقات الجبائية سنة 2024. دقة تكاد تكون مطمئنة — إلى حدود الفاصلة العشرية. لكن هذا الرقم، مهما بدا نظيفاً، لا يحصي سوى ما أمكن إحصاؤه.
ماذا يعني “غير مُقيَّم” فعلياً
من أصل 268 تدبيراً ضريبياً استثنائياً — أي الإعفاءات والتخفيضات والأنظمة الخاصة التي تُخفّف الضريبة عن بعض الملزمين — المحصاة سنة 2024، لم يخضع 39 تدبيراً لأي تقييم لكلفته. وبمقارنة التقرير الرسمي لوزارة المالية، تمكنت جسر ميديا من تحديد 38 من هذه التدابير بدقة.
المهم هنا ليس أنها “أُحصيت بشكل خاطئ” أو “قُدِّرت بأقل من قيمتها” ضمن الـ31.5 مليار. الأمر أعمق من ذلك: فهي غير مدرجة فيها أصلاً. التدبير غير المُقدَّر هو خانة فارغة في جدول الحساب — يوجد قانونياً، ويغيّر فعلياً الفاتورة الضريبية للمستفيدين منه، لكنه لا يظهر في أي مكان من الإحصائية الرسمية. تماماً كتذكرة صندوق مسح فيها بعض المواد دون أن يمر ثمنها أبداً عبر خانة السعر.
وبعبارة أخرى: الـ31.49 مليار درهم ليست الكلفة الإجمالية للنفقات الجبائية المغربية. إنها كلفة ما تمكنت الإدارة من قياسه فقط. أما المجموع الحقيقي فهو، بحكم البنية، مساوٍ لهذا الرقم أو أكبر منه — ولا أحد، حتى وزارة المالية نفسها، يعرف بكم يفوقه.
من يختبئ خلف هذه التدابير الشبح الـ39؟
بعيداً عن كونها مجرد تفاصيل تقنية منسية في زاوية ما، تمسّ هذه التدابير قطاعات كاملة من الاقتصاد المغربي — وتعني، بشكل مباشر أو غير مباشر، جزءاً كبيراً من قراء جسر ميديا.
الأموال القادمة من الخارج. عندما تقترض الدولة المغربية من الخارج، يمكن إعفاء الفوائد المدفوعة للمقرضين غير المقيمين — بنوك، مستثمرون، أو مؤسسات كبنك الاستثمار الأوروبي — من الضريبة. آلية عادية في التمويل الدولي. إلا أن لا أحد اليوم قادر على تحديد كلفتها الحقيقية على الخزينة المغربية.
الكرم الذي لا يُحصى. يمكن لمقاولة تقدّم هبة لجمعية للقروض الصغرى أو لعمل اجتماعي أن تخصم هذه الهبة من ضرائبها، في حدود 2 في الألف من رقم معاملاتها. النية حميدة. لكن الحجم الميزانياتي الحقيقي لهذا التدبير؟ مجهول.
حوافز الاستثمار. مقاولات الأوفشورينغ المُقامة خارج المناطق الصناعية المخصصة لها، خوصصة مقاولات عمومية بموجب قانون يعود لسنة 1990، تفويت أصول ضمن مشاريع استثمارية: أنظمة ضريبية تفضيلية عديدة، تفلت كلفتها الإجمالية هي الأخرى من أي تقدير.
يوميات المستقلين الصغار. المقاولون الذاتيون الذين لا يتجاوز رقم معاملاتهم 200 ألف أو 500 ألف درهم، أو الفنانون وأصحاب المهن الثقافية، يستفيدون من نسب أو تخفيضات خاصة. غالباً ما تكون هذه التدابير الأقرب إلى المواطن العادي — ومع ذلك، فهي أيضاً غائبة عن الإحصائيات الرسمية.
تدابير يعود بعضها إلى عقود خلت. التعاونيات الحرفية، الطاقات المتجددة المرتبطة بالمكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب، الاستيراد المؤقت للماشية، حقوق المياه المنظَّمة بظهير يعود إلى… سنة 1938، أو إعادة الإسكان في إطار برنامج “مدن بدون صفيح”. بعض هذه القواعد أقدم من معظم المستفيدين الحاليين منها.
إهمال أم مجرد عجز تقني؟
إنصافاً للإدارة، يبقى تقرير وزارة المالية صريحاً في هذه النقطة: اختيار التدابير المُقيَّمة يتوقف على مدى توفر المعلومة، وليس على انتقاء اعتباطي. بعض هذه التدابير قديمة، وموثَّقة بشكل ضعيف في الأنظمة المعلوماتية الضريبية، أو تعتمد على معطيات لا تجمعها الدولة أصلاً بشكل قابل للاستغلال.
فالأمر إذن، على الأرجح، ليس إخفاءً متعمداً. لكن بالنسبة للمواطن — وللمراقبة الديمقراطية بشكل عام — تبقى النتيجة واحدة: منطقة ظل ميزانياتية لا يستطيع لا البرلمان ولا عموم الرأي العام تقدير حجمها اليوم.
ماذا يغيّر هذا بالنسبة لبقية سلسلتنا
طرح مقالانا الأولان سؤال التقييم: لماذا لا تُعاد دراسة 97% من النفقات الجبائية السابقة لسنة 2020 أبداً؟ ولماذا يمر هذا الملف عبر التناوبات السياسية دون أن يُفتح مجدداً؟
تذهب هذه الحلقة الثالثة خطوة أبعد. فقبل حتى التساؤل عمّا إذا كان تدبير ما فعّالاً، ينبغي أولاً معرفة كلفته. إنه إشكال سابق لإشكال التقييم — إشكال قدرة أساسية على القياس، يبدو أكثر لفتاً للانتباه في زمن الأدوات الرقمية وقواعد البيانات القائمة أصلاً (مكتب الصرف، المديرية العامة للضرائب، الوكالة الوطنية للمحافظة العقارية والمسح العقاري والخرائطية) والتي لا شيء يمنع، نظرياً، تقاطعها.
وبعيداً عن مناقضة الاقتراح المركزي لمقالنا الثاني، فإن هذه الملاحظة تعزّزه. فبند الانقضاء التلقائي لن تقتصر فائدته على فرض تقييم دوري — بل سيُلزم، في مرحلة سابقة، بإنتاج المعطيات اللازمة لتقدير كلفة كل تدبير، تحت طائلة إلغائه لغياب المبرر. عندها لن يبقى غياب المعطيات ذريعة مريحة لعدم تقييم أي شيء؛ بل سيصبح، على العكس، سبباً كافياً لانقضاء التدبير من تلقاء نفسه.
السؤال الذي يبقى مطروحاً
كم تكلّف النفقات الجبائية المغربية فعلياً؟ الجواب الصادق، بعد قراءة تقرير المجلس الأعلى للحسابات، بسيط ومزعج في آن واحد: لا نعرف بدقة. كل ما نعرفه هو أنها تكلّف على الأقل 31.5 مليار درهم.
بالنسبة لبلد يوفّر لنفسه، سنة بعد أخرى، وسائل نشر تقرير مفصّل حول هذا الموضوع، هناك ما يشبه المفارقة في الفجوة بين الدقة المعلَنة — 31,493,000,000 درهم، إلى حدود المليون — وعدم اليقين الحقيقي الذي تُخفيه. رقم دقيق إلى حدود المليون… ينسى 39 تدبيراً كاملاً.
ما تقترحه جسر ميديا على الدولة المغربية والمؤسسات والمنتخبين القادمين
لا شيء من هذا غير واقعي أو مكلف لتطبيقه. خمسة مسارات ملموسة، في امتداد مقالنا الثاني:
- بند انقضاء تلقائي.
- تقييم مستقل عن وزارة المالية.
- جدولة تقييم دورية منصوص عليها قانوناً.
- تفصيل عمومي حسب فئة المستفيدين.
- ثلاثة مسارات خاصة بسياق مغاربة العالم:
- “بند مغاربة العالم” يفرض، على كل تدبير يُقدَّم كمستفيد منه مغاربة العالم، تفصيلاً عمومياً حسب صفة الإقامة؛
- مقعد استشاري لممثلين موثوقين عن مغاربة العالم في تقييم التدابير التي تستهدفهم؛
- تقاطع قواعد البيانات القائمة (مكتب الصرف، الوكالة الوطنية للمحافظة العقارية والمسح العقاري والخرائطية) لإنتاج، دون بيروقراطية جديدة، تقرير سنوي لتتبع العلاقة بين التحويلات والاستثمار الفعلي.
يندرج هذا المقال ضمن سلسلة التحليل التي تنشرها جسر ميديا استناداً إلى التقارير الرسمية.
عبد السلام مجلاوي، مؤسس جسر.ميديا




