المهاجرون في المزاد السياسي: كيف يتشكل المشهد الانتخابي الإيطالي على وقع قضية الهجرة؟
تتجه الأنظار نحو الساحة السياسية الإيطالية التي تشهد تحركات مكثفة واستقطاباً متصاعداً مع الاقتراب التدريجي للاستحقاقات الانتخابية التشريعية المقبلة. وعلى الرغم من نجاح الائتلاف الحاكم بقيادة رئيسة الوزراء جورجيا ميلوني في تحقيق استقرار حكومي لافت، إلا أن ملف الهجرة وقوانين الإقامة والاندماج يُعيد فرض نفسه كأداة حسم رئيسية وركيزة أساسية لصناعة موازين القوى داخل المشهد السياسي. فبين الوعود بضبط الحدود والحاجة الاقتصادية الماسة للعمالة، يجد المهاجرون أنفسهم في قلب تجاذبات سياسية حادة، تحول ملفهم الإنساني والتنموي إلى محور رئيسي للمزايدات الانتخابية.
صعود “فانتشي” ومحور إعادة الترحيل
شهدت الخارطة السياسية تحولاً بارزاً مع تأسيس الجنرال والنائب الأوروبي روبيرتو فانتشي لحزبه السياسي “المستقبل الوطني” (Futuro Nazionale)، وهو ما فرض واقعاً جديداً يرتكز على الراديكالية التنظيمية والخطابية. ويقدم حزب فانتشي مشروعاً يتبنى بوضوح مفهوم “إعادة الترحيل العكسي للمهاجرين إلى بلدانهم الأصلية” (Remigration) وإلغاء مفاهيم الاندماج متعدد الثقافات، مع التركيز على تقليص التغطية الاجتماعية للأجانب، وإعادة تعريف المواطنة بشروط تقييدية شديدة، وقد أظهرت استطلاعات الرأي صعوداً لافتاً لهذا الحزب الجديد بنسب تتراوح بين 7% و10%، متجاوزاً تشكيلات تقليدية ومنافساً لأطراف الائتلاف الحاكم، هذا الصعود السريع وضع ائتلاف يمين الوسط بقيادة ميلوني أمام ضغط انتسابي حاد، دفع الأغلبية الحكومية نحو تبني خطابات وتدابير إدارية أكثر تشدداً لتفادي تسرب القواعد الانتخابية المحافظة لصالح التيار الجديد.
التأثيرات السياسية على المهاجرين بإيطاليا لم تقتصر على الخطابات الانتخابية فقط بل تجسدت في تعديلات هيكلية وقوانين رسمية سابقة أعادت تشكيل البيئة القانونية لحياة المقيمين. وكان في مقدمة هذه التحولات صدور القانون رقم 50 لسنة 2023 (المعروف بـ مرسوم كوترو - Decreto Cutro)، والذي أدّى إلى تقويض أسباب منح “الحماية الخاصة” القائمة على الاندماج الاجتماعي والروابط الأسرية، مع منع تحويل تصاريح الإقامة الإنسانية المؤقتة إلى عقود عمل نظامية، مما جعل وضع الآلاف من المقيمين هشاً من الناحية القانونية، كما فرض نفس القانون (Legge 50/2023) مسارات مسرعة للبت في الطلبات والاحتجاز الفوري عند الحدود للقادمين من دول تُصنف رسمياً كـ “دول آمنة”، بالتوازي مع تمديد الفترة القصوى للاحتجاز في مراكز الترحيل (CPR) إلى 18 شهراً بموجب المرسوم بقانون رقم 124 لسنة 2023. وعلى صعيد آخر، فرض القانون رقم 15 لسنة 2023 (مرسوم بيانتيدوزي - Decreto Piantedosi) اشتراطات إجرائية صارمة على السفن الإغاثية في البحر المتوسط، من بينها حظر التدخلات المتعددة وتكليف السفن بالإبحار نحو موانئ بعيدة شمال البلاد، فيما رصدت تقارير جمعية الدراسات القانونية بشأن الهجرة تعقيدات إدارية متزايدة شملت تشديد الشروط المالية والسكنية المطلوبة لإجراءات لمّ الشمل العائلي، إلى جانب بطء معالجة طلبات تجديد تصاريح الإقامة (Permesso di Soggiorno) في مكاتب الهجرة (Questura)، والتي باتت تستغرق فترات تتراوح بين 8 إلى 14 شهراً في المدن الكبرى.
مفارقة الدعوة إلى تقليص المهاجرين والحاجة الاقتصادية لهم
تكشف القراءة الموضوعية للمشهد عن تناقض هيكلي حاد بين الرسائل الانتخابية الداعية إلى إغلاق الحدود وتقليص أعداد المقيمين، وبين المؤشرات الرقمية الصادرة عن المؤسسات الرسمية للدولة؛ فقد أظهرت بيانات المعهد الوطني للإحصاء (ISTAT) أن إيطاليا تسجل تراجعاً سكانياً تاريخياً بواقع 379 ألف مولود مقابل 661 ألف حالة وفاة سنوياً، مع ارتفاع متوسط العمر إلى 48,4 عاماً. وحذر البنك المركزي الإيطالي (Banca d’Italia) من أن الاقتصاد يواجه خطر فقدان 3,4 مليون عامل في سن الإنتاج بحلول عام 2040، مما يهدد استدامة شبكات المعاشات والتأمين الاجتماعي (استقدام 280 ألف أجنبي سنوياً كحد أدنى).
وعلى صعيد الإنتاجية، يوضح التقرير السنوي لمؤسسة IDOS ورابطة المزارعين (Coldiretti) أن العمالة الأجنبية تُسهم بـ 8,8% من إجمالي الناتج المحلي (ما يتجاوز 154 مليار يورو)، وتستحوذ على 32% من القوة العاملة في القطاع الزراعي، و18% في قطاع البناء، إضافة إلى أكثر من 1,2 مليون عامل في مجالات الرعاية المنزلية والخدمات الاجتماعية (Badanti). وتجسدت هذه المفارقة باعتراف الحكومة نفسها باحتياجات السوق؛ حيث أصدرت عبر الجريدة الرسمية (Gazzetta Ufficiale) مرسوم التدفقات (Decreto Flussi) لتوفير حصص استقدام رسمية تبلغ 452 000 عامل أجنبي على مدار ثلاث سنوات تلبية لطلبات الغرف التجارية وأرباب العمل.
أحداث “فقير” ودور المغرب في حماية الجالية أمام المد العنصري

الراحل عبد الرحيم فقير (صورة متداولة)
لم تعد انعكاسات الخطاب المناهض للمهاجرين تنحصر في الأبعاد التشريعية والبيروقراطية فحسب، بل امتدت لتشكل تهديداً مباشراً للسلامة الجسدية والأمن الشخصي لأفراد الجالية. وقد شكلت “حادثة عبد الرحيم فقير” بمدينة بولونيا نقطة تحول فارقة كشفت عمق الأزمة؛ حيث أثارت وفاة المهاجر المغربي أثناء عملية توقيف أمنية استخدمت فيها القوة المفرطة موجة من الاحتقان والغضب في أوساط الجالية والمجتمع الحقوقي و تحمل هذه الحادثة دلالات عميقة تتقاطع مع تصاعد التيار اليميني؛ إذ عكس الشارع الإيطالي مؤشرات على “شرعنه” العنف أو التساهل الأمني تجاه المقيمين الأجانب تحت ضغط الخطابات الانتخابية الشوفينية. وأمام هذا الوضع، برز الدور الدبلوماسي والمؤسساتي للمملكة المغربية كركيزة حماية أساسية لمواجهة التجاوزات وضمان حقوق أفراد الجالية:
- المواكبة القضائية وتفعيل الحماية القنصلية: دخلت السفارة والقنصليات المغربية بإيطاليا على خط القضية بشكل مباشر عبر تعيين طاقم دفاع لمتابعة المساطر القضائية، والمطالبة بتحقيق شفاف يحدد المسؤوليات في الحادث، ومتابعة التقارير الطبية التي أثبتت تعرض الضحية لـ “اختناق ميكانيكي حاد” أثناء التوقيف.
- التحرك الدبلوماسي للحد من التجاوزات: ممارسة الضغط القنصلي والمؤسساتي لحماية المواطنين المغاربة من السلوكيات التمييزية والتجاوزات الأمنية التي تنميها مناخات الشحن السياسي والعنصري.
- الدور الاستشاري والتأطيري للمؤسسات الوطنية: أبان “مجلس الجالية المغربية بالخارج” (CCME) والمؤسسات الوطنية ذات الصلة عن متابعة حثيثة للواقعة، داعين إلى ضرورة توفير التغطية الحقوقية وتوعية أفراد الجالية بقنوات الطعن القانوني ومواجهة الحملات التحريضية في إطار دولة القانون.
- توفير الدعم الاجتماعي والنفسي لأسر الضحايا: التكفل بالإجراءات الإدارية والقانونية وتسريع مساطر نقل الجثامين، ومساندة عائلات الضحايا في أروقة المحاكم الأجنبية للإبقاء على الحضور المؤسساتي للدولة المغربية بجانب مواطنيها في أوقات الأزمات.
تظهر أحداث “فقير” أن المهاجر المغربي لم يعد يواجه التعقيدات البيروقراطية فقط، بل بات يواجه بيئة اجتماعية وأمنية مشحونة بحدية الاستقطاب السياساتي، مما يجعل حماية الدبلوماسية المغربية لمواطنيها ضرورة استراتيجية لحفظ كرامتهم وحمايتهم من الارتدادات الميدانية للمد العنصري.
واقع المقيمين بين الضغط البيروقراطي وهشاشة الاستقرار
تنعكس هذه التجاذبات الانتخابية والحوادث الميدانية بشكل مباشر على تفاصيل الحياة اليومية للمقيمين والأجانب في البلاد، فعلى المستوى الإداري والقانوني، أدى البطء الإجرائي في تجديد تصاريح الإقامة إلى عرقلة المعاملات البنكية وتجديد عقود العمل والاستئجار، في حين تُعطل التجاذبات السياسية أي تشريعات لتيسير تجنيس الأطفال والشباب الذين أتموا دراستهم في البلاد (Ius Scholae).
أما على الصعيد الاجتماعي والوظيفي، فإن تقليص قنوات الحماية الإنسانية وتغليظ خطابات الترحيل يدفعان أعداداً متزايدة نحو العمل غير الرسمي في قطاعات تفتقر للحماية الحقوقية، لتظل فئة المهاجرين معلقة بين الحاجة الاقتصادية الماسة لخدماتها، وبين توظيفها كورقة دائمة في الصندوق الانتخابي.
بالأرقام: مغاربة إيطاليا
إضافة من هيئة تحرير جسر ميديا
- 412 457 مقيماً يحملون الجنسية المغربية في إيطاليا في فاتح يناير 2025، حسب المعهد الوطني للإحصاء (ISTAT). إنها ثالث جالية أجنبية في البلاد بعد الرومانيين والألبان، وتمثل 7,7٪ من الأجانب المقيمين.
- يتركزون في الشمال: لومبارديا (86 358)، إميليا رومانيا حيث تقع بولونيا (55 534)، بييمونتي (51 047)، فينيتو (45 073)، ثم توسكانا (28 901).
- هذا الرقم أقل من الحجم الحقيقي للجالية، لأن من يحصل على الجنسية الإيطالية لم يعد يُحتسب أجنبياً. والمغاربة من أكثر الجاليات تجنساً: حوالي 27 000 سنة 2024، بعد الألبان مباشرة.
- 579 مليون يورو حوّلها المهاجرون من إيطاليا نحو المغرب سنة 2025، حسب بنك إيطاليا، أي 6,7٪ من مجموع تحويلات المهاجرين انطلاقاً من إيطاليا، في ارتفاع مقارنة بسنتي 2024 و2023.
- أي حوالي 6,3 مليار درهم (حساب جسر ميديا، على أساس 10,9 دراهم لليورو تقريباً)، أو قرابة 5٪ من 122 مليار درهم حوّلها مغاربة العالم سنة 2025 حسب مكتب الصرف. وهذه الأرقام لا تشمل إلا القنوات الرسمية، دون الأموال التي تُحمل نقداً خلال العطلة الصيفية.
للمزيد في جسر ميديا حول مغاربة العالم وتحويلاتهم:
- مغاربة العالم يُرسلون 12 مليار دولار سنوياً
- قراءة تحليلية لميزانية 2027: تحويلات مغاربة العالم، ركيزة نعتمد عليها دون الاعتراف بها
- مغاربة العالم: 115 مليار درهم تحويلات، 10٪ منها استثمار
- أين ذهبت 31,5 مليار درهم من الإعفاءات الضريبية؟
- المجلس المدني الديمقراطي للهجرة المغربية يندد بإقصاء مغاربة العالم من الانتخابات
- حوار مع سعاد فريقش، ممثلة مغاربة العالم في تحالف اليسار
المصادر: ISTAT عبر Tuttitalia، بنك إيطاليا عبر Stranieri in Italia، Le Desk.
عزالدين كطة، إيطاليا


