نشرة جسرمن نحن✍️ اكتبوا معنا🌐 الرئيسية
الثلاثاء، 20 أكتوبر 2026🤝 شريك أو معلن؟ تواصلوا معنا ←
إعلان
📢مساحة إعلانية728×90 — Leaderboard · AdSense / Ezoic
🗳️ الانتخابات
🔴 مباشر
الفن والثقافة

حيّ البحر · الفصل 5 — السفنج

في حيّ البحر، كانت للسعادة رائحة الزيت الساخن.

حيّ البحر · الفصل 5 — السفنج

«حيّ البحر»، رواية سليم حكيم — الفصل الكبير الأول — الوهم

حيّ البحر · Hay El Bahr — رواية · الجزء الأول · الفصل الكبير الأول: الوهم · الفصل 5 من 46

حيّ البحر، صيف 2006

في حيّ البحر، كانت للسعادة رائحة الزيت الساخن.

كانت تبدأ في الخامسة صباحًا، أمام دكان الفاسي الصغير، مكعّب من الألواح والقصدير مطليّ بالأخضر لا ينتبه إليه أحد، إلا حين يتجاوز الطابور عشرة أمتار. حينها يعرفون. هناك جنازة، أو عرس، أو قرار من الحكومة. وفي ذلك السبت، كان الطابور أربعة عشر مترًا، ما يعني دوريًا.

كان كمال ينتظر دوره، يداه في جيبيه، في الحادية والعشرين، بقميص أوسع منه ومشاريع لا يدرّ أيٌّ منها شيئًا. أمامه جدّة، وعامل من المصبنة، وطفلان يتنازعان قطعة عشرة دراهم يرميانها في الهواء. وفي عمق الدكان، كان الفاسي يغطّس كرات العجين في الزيت، بحركة ساحر، ويقلّبها بقضيب من القصب، وينظمها في سعفة نخل عشرًا عشرًا.

— ربعة، آ سي الفاسي، قال كمال حين جاء دوره.

— ثلاثة، لكل واحد.

— راه نهار الدوري.

رفع الفاسي عينيه. كان له ساعدا حدّاد، ومئزر بلا عمر، ووجه رجل فهم باكرًا أن مهمته لا نهاية لها.

— نهار الدوري، قال أخيرًا، الحدّ كيطيح. كنعطيك اللي تقدر تهز.

ناوله عقدين، فضمّهما كمال إلى صدره كأنهما رضيع. وخرج، والزيت على أصابعه، يضحك وحده، ثم انطلق يجري نحو الملعب.

· · ·

كانت «كأس البحر» أقدم مسابقة في الحيّ، أي أن عمرها ثلاث سنوات. مراد هو من ابتكرها.

كان واقفًا عند حافة الملعب، الدفتر الأسود في يده، بقميص أبيض، مرتاحًا ارتياح عدلٍ في عرس. تكوّنت الفرق حسب المهن. فريق المصبنة، بأقمصة وردية غُسلت على عجل. فريق الصيادين، بسراويل مطويّة حتى الركبتين. فريق الگراجات، ببقع لا تُمحى على المرفقين. وفريق «بلا فريق»، خليط من أبناء العمومة والإعداديين والعاطلين يجمعهم أنهم لا يفوزون أبدًا.

كانت الكأس تتصدّر صندوق بيرة مقلوبًا: أنبوب سباكة مطليّ بلون البرونز، يعلوه دلفين من البلاستيك. لم يكن أحد يعرف من أين جاء الدلفين.

— آ مراد، همس كمال وهو يمدّ له سفنجة ما تزال تتصاعد منها الحرارة. شحال نراهنو؟

— بالسكر.

— بالسكر؟

— هنا كنراهنو بالكيلو. الورق كيضيع. السكر كيتّاكل.

ابتسم وسجّل شيئًا في دفتره. كان الراشد الوحيد في الحيّ الذي لا يدين له أحد بأكثر من يومين. كانوا يقولون عنه إنه صارم. وكانوا يقولون خاصة إنه يضبط حساباته بالسطر، وإن المرء يستطيع أن ينام مطمئنًا.

تحت شجرة تين، عند حافة الملعب، كان عادل يقرأ، جالسًا على الأرض، ظهره إلى الجذع، غير مبالٍ بالصراخ. وبجانبه خديجة، برّاد أتاي بالنعناع في يد وصينية كؤوس في الأخرى، تقدّم الشاي للمتفرجين بجدّية تلميذة مكلّفة بالحراسة. ومن حين لآخر، ترفع عينيها، تتأكد أن الكتاب ما يزال في يده، وأن الصفحة تنقلب، ثم تعود إلى خدمتها.

— ما شاف حتى گول، قال كمال وهو يجلس قربهما.

— شاف واحد، قالت خديجة.

— شمن واحد؟

— ديال الصفحة اثنين وربعين.

لم يرفع عادل رأسه. ابتسم وهو يقلب الصفحة.

· · ·

بدأت المباراة في التاسعة، تحت سماء زرقاء لا عيب فيها. أخرجت لالة زهور، أرملة الطابق الرابع، كرسيًا إلى شرفتها، وراحت توزّع نصائح تكتيكية، بأعلى صوتها، على لاعبين لا يسمعونها.

اتخذ كمال موقعه فوق جدار قصير، قنينة ماء مكان الميكروفون، وراح يعلّق.

— سيداتي سادتي، مساء الخير، ولا بالأحرى صباح الخير. معاكم مباشرة من الملعب التاريخي ديال حيّ البحر، قدّام ربعمية ألف متفرج، منهم ثلاثمية وتسعين ألف ما خلّصوش البلاصة. المصبنة، باللون الوردي، متقدمين بواحد لصفر. نقدرو نگولو بلّي اللعب ديالهم نقي.

ضحك الجمهور. وأدرك الصيادون التعادل بخطأ من الدفاع. فاتخذ كمال صوت مذيع وطني، رخيمًا، متأثرًا.

— وها هو التعادل. التعادل، سيداتي سادتي، هو اللي كيوقع ملّي البحر كيقرر ما يبقاش يتسنّى.

أبعد لاعب من الگراجات الكرة بركلة متوحشة. صعدت الكرة، ورسمت منحنى مهيبًا، ومرّت فوق الجدار القصير، وفوق جدار المصبنة، والطريق، والصخور، وغاصت في البحر دون رذاذ.

ساد صمت.

— والكرة، قال كمال بوقار، فواحد الحركة ديال النضج، ختارت البحر.

انفجر الملعب ضحكًا. وجرى طفل في نحو العاشرة، بسرواله الداخلي، نحو الصخور، وغطس، وسبح، وعاد بالكرة تحت ذراعه، مبلّلًا ومنتصرًا. فصفّقوا له كبطل وطني.

· · ·

ظهر حاجّ ببذلة رسمية نحو الحادية عشرة، على حافة الطريق، دفترًا في يده. جاء، كما شرح، من أجل مراقبة تجمّع. نظر إلى الملعب، والفرق، والدلفين البلاستيكي. سأل هل هناك ترخيص. أجابه مراد بأن هناك دوريًا.

سجّل الحاج شيئًا، وجلس على الجدار القصير، ومدّ يده. أعطاه كمال سفنجة. أكلها في صمت. وطلب ثانية.

في منتصف شوط النهائي، كان ما يزال هناك. وحين أعلن الحَكم المرتجل، خال من المصبنة، انسحابه بسبب الروماتيزم، كان الحاج هو من قام.

— ما عنديش الصفّارة، قال.

مدّ له طفل مزمارًا صغيرًا من البلاستيك البرتقالي، كان يحتفظ به في جيبه منذ حفل المدرسة. وضعه الحاج على شفتيه. وصفّر، صوتًا حادًّا ومضحكًا، فانفجر الحيّ كله ضحكًا.

وحكّم ضربة الجزاء في النهائي بجدّية مطلقة، ظهره مستقيم، وذراعاه مرفوعتان، كرجل يعرف أن التاريخ يراقبه. ضاعت الضربة. وفاز الصيادون. وانتقل الدلفين من يد إلى يد. كأنه حكم سليمان تحت شجرة تين.

— مزيان، قال مراد للحاج وهو يصافحه. غادي ترجع العام الجاي؟

— إلى كان الترخيص قانوني، قال الحاج بابتسامة عريضة.

· · ·

في المساء، كان هناك عرس فوق السطوح.

عرس ابنة أخت لالة زهور، التي تتزوج شابًا من المصبنة، أمام مئتي مدعوّ موزّعين على ثلاث عمارات موصولة بألواح خشب. زرابي مفروشة على الإسمنت، وطاولات مرتجلة، وبرّادات تتصاعد منها الحرارة فوق المجامر، وصواني حلويات بالعسل. وأطفال يجرون بين الهوائيات. والطبل يدقّ دون توقف، إيقاعًا صبورًا، قديمًا جدًا.

رقص كمال. رقص بشكل سيئ، بقناعة تامة. أمسك عادل من ذراعه، وجرّه إلى وسط الحلقة، وأداره مرتين قبل أن يستعيد كتابه. ضحك عادل، ضحكة بلا حساب، رأسه إلى الخلف.

— قرا لينا شي حاجة، قال كمال وهو يطلقه.

— ما حافظ والو.

— إيوا خترع.

فكّر عادل. نظر إلى البحر، بعيدًا جدًا، بأضواء مراكبه. قال بضع كلمات، بصوت خافت، من جملة لن يستطيع أبدًا أن يعيدها، تتحدث عن غسيل في الريح وعن أيادٍ لا نعرف كيف نفلتها. لم يصفّق أحد في الحال. ثم صفّق الجميع، بقوة.

خديجة، في الجهة الأخرى من الحلقة، كانت تحمل صينية الشاي. لم تقل شيئًا. كانت تنظر إلى عادل كما ننظر إلى شيء قرّرنا ألّا نطلبه.

كان مراد قد ابتعد، إلى حافة السطح، سيجارة في يده. يتأمل الحيّ من الأعلى: السطوح، وحبال الغسيل، والنوافذ المضاءة. كان يعدّ. يعدّ دائمًا، بحكم العادة، كما يصلّي غيره. رآه كمال من بعيد ولم يفكر في شيء.

· · ·

حين هدأ الحفل، صعد كمال إلى أعلى سطح، سطح المصبنة، وفي يده سفنجة باردة بقيت من الصباح. جلس على الحافة، ساقاه في الفراغ.

في الأسفل، كان الملعب نائمًا تحت القمر، بعموديه الملتويين، ودلفينه المنسيّ على صندوق. عاد الصيادون، بقناديل زيت معلّقة بقصباتهم. وكان البحر يُسمَع، لم يفقد شيئًا من المباراة.

فكّر في كل ما جرى في يوم واحد. كرة أُنقذت، وحاجّ صار حَكمًا، وعرس، وجملة قالها عادل دون أن يعرفها. وفكّر أن هذه هي السعادة: ألّا تعرف أنك تعيشها.

عضّ السفنجة. كانت باردة، دسمة قليلًا، حلوة قليلًا. كانت مثالية.

لم يكن يعلم أن للسعادة ثمنًا بالمتر المربع.

الخيط · صيف 2006: دوري، وحاجّ يصير حَكمًا، وعرس فوق السطوح. إنها السعادة، ومراد، والدفتر الأسود في يده، يمسك حسابها منذ الآن.

للتفكير · ماذا كان مراد يعدّ، في تلك الليلة، عند حافة السطح؟


→ الفصل السابق: ملعب الكرة
الفصل التالي، غدًا على الساعة السابعة صباحًا (بتوقيت المغرب): هيئة التحرير

شارك هذا المقال :
فيسبوكتويتر
📰 اقرأ أيضاً
الانتخابات

برنامج فاطمة الزهراء المنصوري: وعود، ولكن متى؟

يوم الاثنين 19 أكتوبر، قدّمت رئيسة الحكومة برنامجها للفترة 2026-2031. الأهداف مرقّمة، أما التواريخ فشبه غائبة. الحد الأدنى للمعاش، والدعم الاجتماعي، والجهات، والشباب، ومحاربة الفساد: ما قيل، وما ينقص.

المغرب والعالم

برنامج المنصوري: 3000 كلمة، وجملة واحدة لمغاربة العالم

31 صفحة، ونحو 3000 كلمة، وجملة واحدة من 18 كلمة لمغاربة العالم. بعد حكومة بلا وزير مخصص، وبلاغ ميزانية صامت، يؤكد تصريح فاطمة الزهراء المنصوري هذا الصمت. ما يقوله النص، وما لا يقوله، وأسئلتنا.

سياسة ومجتمع

إضراب سعيدة العلمي عن الطعام: مركز حقوق الإنسان بأمريكا الشمالية يعبّر عن قلقه على صحتها

يعبّر مركز حقوق الإنسان بأمريكا الشمالية عن قلقه البالغ على الوضع الصحي للمعتقلة السياسية سعيدة العلمي، المضربة عن الطعام منذ 16 أكتوبر 2026 بالسجن المحلي الجديدة 2، ويطالب السلطات بضمان علاجها دون تأخير وتمكينها من التواصل مع عائلتها ومحاميها.

← العودة إلى الأخبار
إعلان
📢بانر الفوتر728×90 — Footer Leaderboard · AdSense
اكتبوا معنا