بقلم: الدكتور محمد السباعي
دكتور في العلوم القانونية والسياسية، خبير في مجال حقوق الإنسان
تحالف اليسار ورهان إعادة الترتيب بتاونات
لا يمكن قراءة النتائج الأولية للانتخابات التشريعية ليوم 23 شتنبر 2026 بإقليم تاونات باعتبارها مجرد عملية فرز أصوات وتوزيع مقاعد. فهي، في العمق، لحظة سياسية تكشف إعادة تشكل الخريطة المحلية، وصراعاً هادئاً بين منطقين: منطق يحاول الحفاظ على نفس الترتيبات القديمة، ومنطق آخر يسعى إلى تغيير قواعد اللعبة.
أولاً: منطق الاستمرارية ومنطق الأغلفة الحزبية
في مواجهة هذا التحول، ما زال منطق الحفاظ على نفس المعادلات قائماً، وتمثله أساساً أحزاب التجمع الوطني للأحرار وحزب الأصالة والمعاصرة، مع حضور حزب التقدم والاشتراكية الذي لا يربطه بيسار هذا الحزب على المستوى الإقليمي إلا الاسم. فقد تحولت العناوين الحزبية عند العديد من البرلمانيين إلى غلاف انتخابي فقط، لا يعبر بالضرورة عن عمق سياسي أو برنامجي حقيقي.
هذا المنطق لا يراهن على التجديد، بل على الاستمرارية، وعلى إعادة إنتاج نفس التوازنات، وهو ما يجعل حوض ورغة وإقليم تاونات على وجه الخصوص ساحة مفتوحة أمام صراع بين القديم الذي يقاوم والتجديد الذي يتقدم.
ثانياً: تحالف اليسار: القوة السياسية الطبيعية والطليعية
في المقابل، برز تحالف اليسار كقوة سياسية طبيعية وطليعية. لم يعد الأمر يتعلق فقط بحضور انتخابي ظرفي، بل بخطاب سياسي وبرنامجي مختلف، يقوم على الترافع النوعي، وعلى الاقتراب من هموم الساكنة، وعلى طرح بدائل حقيقية في قضايا التنمية، والشغل، والخدمات، والعدالة المجالية.
وقد لمس المتتبعون تعاطفاً متزايداً من طرف العديد من ساكنة الإقليم، خاصة في حوض ورغة، مع الاختيارات السياسية والبرامجية لتحالف اليسار. تعاطف لا يقوم على الوعود الموسمية، بل على تراكم نضالي ورقابي، وعلى حضور ميداني يلامس الواقع اليومي للناس.
ثالثاً: وكيلة اللائحة الجهوية ورهان الفوز الجماعي
ومن أبرز أسباب هذا النجاح، أداء اللائحة الجهوية لتحالف اليسار، التي راكمت حضوراً ترافعياً نوعيا وملموساً. هذا الفوز في العمق يعتبر تتويجا للقوة الترافعية لمناضلات ومناضلي التحالف بالجهة.
فالنجاح يعكس تراكم العمل الميداني، وقدرة المناضلين والمناضلات على حمل القضايا المحلية، والدفاع عن مصالح الساكنة، وبناء الثقة مع الناخبين. وهو ما جعل هذا المقعد، رغم تشتت الأصوات المحصل عليها من قبل التحالف، يتحول إلى رهان على آفاق رقابية أوسع بالجهة في المستقبل.
رابعاً: حضور متميز ببني وليد وبوعادل
ولا يمكن أن نغفل في هذا السياق الحضور المتميز للائحة تحالف اليسار بجماعتي بني وليد وبوعادل، حيث برزت كقوة سياسية أولى بالجماعة. هذا الحضور يعكس اختراقاً حقيقياً في الوسط القروي، ويؤكد أن خطاب التحالف وترافعه النوعي يجد صدى لدى فئات واسعة من الساكنة، وأن النجاح ليس محصوراً في دائرة أو جماعة واحدة، بل يمتد ليشمل مواقع جديدة.
خامساً: الغرفة التشريعية كمنصة لتطور عمق اليسار
بهذا المعنى، لم تعد الغرفة التشريعية مجرد فضاء للتمثيل، بل أصبحت منصة حقيقية لتطور عمق اليسار بإقليم تاونات. إنها لحظة إعادة ترتيب كل شيء: التحالفات، والخطاب، والأولويات، والتمثيل، وأيضاً العلاقة مع الساكنة.
فالرهان اليوم لم يعد فقط هو الفوز بعدد من المقاعد، بل هو بناء قوة سياسية قادرة على الصمود، وعلى التأثير، وعلى ربح رهان المستقبل. وحوض ورغة، بما يختزله من رمزية تاريخية وسياسية، يبدو اليوم مختبراً لهذا التحول.
خلاصة
إذا كان منطق التجمع الوطني للأحرار وحزب الأصالة والمعاصرة، ومن خلفهما بعض الأغلفة الحزبية، يسعى إلى الحفاظ على نفس الترتيب، فإن تحالف اليسار يسعى إلى تغيير قواعد اللعبة. وبين هذا وذاك، يبقى السؤال الأهم: هل ستنجح هذه القوة الطليعية في تحويل التعاطف الشعبي إلى تنظيم دائم، وبرنامج واضح، وممارسة سياسية قادرة على التغيير؟
د.محمد السباعي
انتهت المقالة
د. محمد السباعي






