لم يعد الرهان الحقيقي بالمغرب مقتصراً على استكمال ورش الجهوية المتقدمة واللاتمركز الإداري، بل أصبح يتمثل في مدى قدرتهما على تحقيق تنمية مندمجة وعادلة، يستفيد منها المواطن أينما كان، وتنعكس نتائجها بصورة ملموسة على ظروف عيشه.
الدستور يجعل التنمية المندمجة غاية الجهوية
لقد أرسى دستور 2011 الأساس لهذا التحول، حين نص في فصله 136 على أن التنظيم الجهوي والترابي يقوم على مبادئ التدبير الحر والتعاون والتضامن، ويؤمن مشاركة السكان في تدبير شؤونهم، ويساهم في الرفع من مساهمتهم في التنمية البشرية المندمجة والمستدامة.
وهذا المقتضى الدستوري بالغ الأهمية، لأنه يجعل التنمية المندمجة غاية للجهوية المتقدمة، وليس مجرد نتيجة محتملة للإصلاح الإداري.
اختلالات ما زالت قائمة
ورغم المكتسبات التشريعية والمؤسساتية التي تحققت، فإن الواقع يكشف استمرار عدد من الاختلالات، أبرزها بطء تفعيل بعض مقتضيات اللاتمركز الإداري، وتداخل الاختصاصات، وضعف الالتقائية بين السياسات العمومية، وتعثر بعض آليات التعاقد بين الدولة والجهات، فضلاً عن استمرار التفاوتات الاجتماعية والمجالية.
إن الإشكال اليوم لا يتعلق فقط بحجم الموارد المالية المحولة إلى الجهات، أو بعدد الاختصاصات المنقولة إليها، وإنما بمدى قدرة هذه الموارد والاختصاصات على تحسين الخدمات الصحية والتعليمية، وخلق فرص الشغل، وفك العزلة، وضمان الولوج المنصف إلى مقومات العيش الكريم.
فالتنمية المندمجة لا تتحقق بتجميع مشاريع قطاعية متفرقة، بل بتوحيد الرؤية وتكامل التدخلات، وربط المسؤوليات بالنتائج والأثر التنموي.
حوار وطني شامل: أي نموذج للتنمية الترابية؟
ومن هذا المنطلق، تبدو الحاجة ملحة إلى إطلاق حوار وطني شامل حول التنمية المندمجة والجهوية المتقدمة واللاتمركز الإداري، يتجاوز حدود النقاش المؤسساتي التقليدي، ليطرح سؤالاً جوهرياً: أي نموذج للتنمية الترابية نريد للمغرب، وكيف نجعل الدولة والجهات والجماعات الترابية والمواطنين شركاء فعليين في تحقيقه؟
ما الذي يمكن استلهامه من التجربة السويسرية؟
ويمكن لهذا الحوار أن يستفيد من التجارب الدولية، خاصة التجربة السويسرية التي تجمع بين مبدأ التفريع، القائم على ممارسة الاختصاصات في المستوى الترابي الأنسب، والاستقلالية في اتخاذ القرار، والتضامن المالي بين الكانتونات، والمشاركة الديمقراطية الواسعة.
وليس المقصود استنساخ النموذج السويسري، بالنظر إلى اختلاف البنيات الدستورية والمؤسساتية، وإنما استلهام المبادئ التي تجعل من توزيع السلطات والموارد وسيلة لتحقيق الفعالية والإنصاف.
التضامن المالي بين الجهات وعقود البرامج
وفي السياق المغربي، يقتضي ذلك تطوير منظومة التضامن المالي بين الجهات، استناداً إلى الفصل 142 من الدستور، حتى يصبح توزيع الموارد مرتبطاً بالحاجيات التنموية الحقيقية، ومستويات الخصاص، والقدرات المالية، مع مراعاة التفاوتات القائمة داخل الجهات نفسها.
كما يتطلب اعتماد عقود برامج مندمجة بين الدولة والجهات، تتجاوز منطق المشاريع المنعزلة، وتجمع مختلف القطاعات حول أهداف مشتركة، وفق التزامات واضحة وآجال محددة ومؤشرات قابلة للقياس.
الشباب والنساء والجامعات في صلب التشخيص
غير أن نجاح هذا التحول يظل رهيناً بإشراك المواطنين والجامعات والفاعلين الاقتصاديين والاجتماعيين والمجتمع المدني، وخاصة الشباب والنساء، في تشخيص الحاجيات وتحديد الأولويات وتتبع الإنجاز وتقييم النتائج.
فلا تنمية مندمجة دون مشاركة فعلية، ولا عدالة مجالية دون تضامن مؤسساتي، ولا جهوية متقدمة دون سلطة قرار واضحة وموارد ملائمة ومساءلة حقيقية.
ميثاق وطني للتنمية المندمجة والعدالة المجالية
ولذلك، نقترح أن يتوج هذا الحوار بإقرار ميثاق وطني للتنمية المندمجة والعدالة المجالية، تترجم مضامينه إلى التزامات تشريعية وتنظيمية ومالية وتعاقدية، مع اعتماد آلية وطنية لتتبع التنفيذ وتقييم الأثر التنموي.
إن الغاية ليست إضافة وثيقة جديدة إلى رصيد الإصلاحات، بل الانتقال من مرحلة التوصيات إلى التنفيذ، ومن تعدد البرامج إلى الالتقائية، ومن توزيع الاعتمادات إلى تحقيق النتائج.
من الجهوية المؤسساتية إلى الجهوية الإنسانية
لقد آن الأوان لإعادة صياغة النقاش الوطني حول الجهوية المتقدمة، بحيث لا يقتصر على سؤال: كيف ننقل الاختصاصات من المركز إلى الجهات؟ بل يمتد إلى السؤال الأهم: كيف نجعل من التنظيم الترابي رافعة لتنمية مندمجة تضمن تكافؤ الفرص والكرامة والعدالة المجالية لجميع المغاربة؟
ذلك أن الجهوية المتقدمة ليست غاية في ذاتها، وإنما مشروع مجتمعي ينبغي أن يقاس نجاحه بقدرته على تقليص الفوارق وتعزيز التضامن وتحقيق التنمية المستدامة.
فالمغرب لا يحتاج فقط إلى جهوية أكثر تقدماً على المستوى المؤسساتي، بل إلى تنمية أكثر اندماجاً وإنصافاً على المستوى الإنساني والمجالي. وهذا هو الرهان الذي ينبغي أن يشكل جوهر الحوار الوطني المنشود. د. محمد السباعي
اقرأ أيضًا
- الخطاب الملكي: الملموس والنتائج، والمنتخبون تحت المراقبة
- الدخول البرلماني الجديد: أولويات المرحلة وتحديات الثقة، بقلم د. السباعي
انتهت المقالة








